بيبلوغرافيا الأزقة
قصة لحاتم الشعبي
صورة للزقاق الذي يحمل أحداث القصة
إن للحارات ذاكرة تصرخُ
في المفارِق المهملة ، و لم أكن لأستشعر ذلك المعنى إلا عندما
عدتُ إليها بعد سفرٍ طويل. عند منتصف الليل بعد أن أوقفت سيارتي خلف الفندق الوحيد
الذي يضيفُ بصمةَ حداثةٍ على الشارع العام. – لشح مواقف السيارات – بدأتُ أمخرُ الأزقة وصولاً إلى مسجد التوابين ثم أنعطفتُ غرباً خَلف مقبرة الحارة و من ثم بدأت أسير بخطٍ مستقيمٍ إلى كشك علي بائع البطاطس بعدها إنعطفتُ لأدلج بزقاقنا الضيق – الذي لا
يحتمل مرور سيارة- منزلنا هو الأولُ على الجهةِ اليمنى.
لم أستطع طرق الباب
رغم وقوفي الطويل. تركت حقيبتي على المصطبةِ القريبة من باب منزلنا، ثم جلست على
الرصيفِ الخرساني المقابِلَ لدكان جدي. – حجرةً للسائق حالياً – هذا الرصيف الصلب
المرتفع إستخدمه جدي لعقودٍ ككرسيٍ يجلس عليه ليقرأ أو ليمارسُ دورهُ في
إحلال السلام العالمي. على هذه البقعة الصلبة كانت الحياة أكثر ليناً. أشعلتُ
سيجارةُ و أسندتُ رأسي لأغرقَ في جرحٍ ساخنٍ على الجدار.
عجوزٌ عمياء من أقصى
الحارة تسعى ، تتخبط، و تتلمس، و تبث موجاتها الصوتية لتمزقَ خرقةَ الصمت بنشازٍ
مألوف " أووه جابر.. أوووه جابر" حينها أطل بسحنته و طاقيتهِ
ذات الدوائِرِ الذهبية و ثّوبّهُ الشتّوي خارجاً من باب دُكانه. كانَ بكل
عنفوانِهِ وقاطعهُ الذهبي الذي ظهرّ من خلفِ ضحكته، ليجيب إستغاثاتها كعادتهِ
"مالك ياعايشه؟ " ترفع طرفِ ثوبها الرِثِ من قِماش البَوَالِ مبديةً
ساقاً موميائيةً و تنطقُ من شَقٍ إحفوريّ برأسها : "ولا قلّه, شأبّسُط معاك
قليل(1)" يُمسِكُ بيدِها لتَجلِسَ على الكرسي الخشبي المقابِل للمكتَبِ
العتيق الذي حولتهُ عوامل التعرية إلى طَاولةٍ لعرض الحلوى .
بادر جدي بسؤاله اليومي لها " بأدورلك
عريس" ثم أجابتهُ –نفس الإجابة اليومية- "أي عريس و أنا ديمي يابس(2)"
بعد تلك الإفتتاحية يبدأ الحوار اليومي بتكرار كل الأحاديث المكرورة حتى يقرر العم
حسن أن يقطعه بأذان ظهرٍ حاد.
وقت مستقطع
"
عائشة أمعيدي ، عجوز يقاس عمرها الحقيقيّ بالكربون المُشِع، كانت
عجوزاً عمياء منذ اليوم الذي بنى فيه جدي منزله بالقرن الهجري المنصرم. تمتلك
منزلين خاليين من الأثاث في زقاقنا بجوار منزل العم منصور أبوشقارة، و مقابل منزل
العم علي بحيص. يقال أن إبنتها قد سئمت من بُخلِها فغادرت الحياة في عقدها الثامنِ
قبل أن أُولد، عائشة أمعيدي أو كما نسميها " العجوز عايشة" هي المجهول
الذي نعرفه و لا نعرفه، هي الحارةُ متجسدةً . هي التي ماتنفكُ عن إستثارةَ مشاعر
جدتي كل يوم بعبارة "شأتزوج جابر ياهنديه" و لكن جدتي الحاذقة تملك
إجابةً قاتله في كل مرة ، أذكر مرةً قالت لها: "إذا قدرتي عليه و قدر عليك ،
حلال عليك" . مرةً سألتها عن عمرها فقالت :"معرفني؟ لكن دخل عبدالعزيز
الرياض و أنا عزبه!(3)" ، كانت تُقحِمُ بحسابها البنكي كل ما يقع بيدها من
مال – إيجار منزلها، المقتطع السنوي من ضمانها الإجتماعي- ما يهبهُ فاعليّ الخير،
وقس على ذلك- . من الممكن أن تنسى الطرق كلها إلا طريق البنكِ و دكان جدي - مرةً
تبرع سعيدٌ إبن العم جاري بشراء مكيف هواء و وضعهُ في غرفتها التي لاتحمل إلا
سريراً حديدياً رثاً، لكنها باعتهُ بعد أشهر من أشرف الكهربائي. كانت وحيدةً من كل
شيءٍ إلا الحارة و الذكريات
"
مع إنتهاء السيجارة،
عادت الحِلّكة الأولى . والصمتُ لا يستبيحُهُ إلا مكيفُ هواء -يلتقط أنفاسهُ بعد
إرتياح- . إن الأوجه التي كانت تنضَحُ بالحُبِ قد تساقطت تباعاً و أمتزج رفاتُها
بالجدارن و الممرات. و الأزقةُ التي كانت أوردةً تنقل المارة و الباعةُ المتجولين
لم يعد يقطعها إلا قِطٌ مقطوعُ الذيل.
عندها إستجمعتُ قوايَ و تقدمتُ إلى باب منزل العجوز
عايشه الموصد بالسلاسِلِ منذ عقد. باعدت بين درفتي الباب لأقحم وجهي في ذلك الشق الذي خلفتهُ السلاسل المرتخية - إن
رائحةً ما بالداخل أعرفها- عندها سمعتُ أنيناً مبعثراً يتلاشى في الهواء قبل أن يتماسك ، كان الصوت قادِماً من حجرتها. أذني التي أقحمتها منفردةً بالشقِ بعد حينٍ تَمكنت من
حَلِّ الأُحجية : " أو...و.وه جـ..ـابـر! أو..و.وه جـ..ـابر! "
كان الصوت أضعفُ من
تجاوزِ باب الحجرة الداخلي! كيف سيصل لمسامع
جدي الذي قرر فجأةً أن يسكُنَ مقبرةَ أُمنا حواء في الطرف الآخر من المدينة؟
___________________________________________
1- شأبسط معاك قليل: تعني "بسولف معك شوي" باللهجة العامية
2- ديمي يابس: جلدي قاسٍ أو متحجر.
3- عَزَبَه: يافعةُ في
بداية الشباب.
رائع ي حاتم
ردحذفرائع ي حاتم
ردحذف