- المؤلف: بن لوريBen Lorry .
موسيقي وكاتب يعيش في لوس انجليس. من كتاب القصة الحديثة.
- ترجمة: حاتم الشعبي
ذات يوم, عاد الرجلُ إلى منزله، ليكتشفَ أن ابنتهُ قد آمنت بالإله.
غضبَ كثيراً و صرخَ في وجهها "هل هذه مزحة؟ هذا هراء؟ أنا رجلٌ عقلانيّ ولن
أقبل هذا". بعدَ حين. اجتمعت العائلةُ على وجبةِ العشاء. نظر الرجلُ إلى
ابنته قائلاً:
-
إذاً،
تعتقدين أنه ثمةَ من إلهٍ حقيقيّ ؟
-
ما الذي
يمنع وجوده؟
-
حسنا ..
لا أستطيعُ إثباتَ عدمِ وجوده، وهو أيضاً لا يستطيعُ إثبات وجوده. إن كان موجوداً
حقاً، أعتقدُ أن عليه إخبارنا بذلك، بأي شكلٍ من الأشكال.
عندها ظهرَ خنزيرٌ من العَدَمِ فجأةً ، ليستقِر في وسط طاولةِ الطعام
. "أترى يا أبي، إن الإله موجود!" قالت ابنته.
إن ذلك الحدثَ العصِيّ على الفهم كان كفيلاً بإثارةِ دهشة الحيّ
بأكمله . أحتشدَ الجيران في منزِلِ الرجل لإلتقاطِ الصور، أو الصلاة ، لكن الرجل مازال
على حالهِ جالساً بلا حراك. يُحملقُ في الخنزير بلا أي تأويل. و فجأةً مد يدهُ
ليلامس إحدى قوائم الخنزير. كان متيناً و صلباً – على الأغلبِ خشبياً- و يبدو أنه
أثريٌ و عتيق.
عندها بدأ الرجلُ بالنَظِرِ إلى السقف، كان يُمنيّ نفسهُ أن يرى فجوةً
في سقفِ الحُجرة ، يكون الخنزير قد سقطَ منها. ثم انتقل للبحثِ تحت الطاولةِ علّهُ يجدُ
أياً من آلياتٍ مخفيةٍ ، كتلكَ التي قرأ عنها فيِ إحدى الكتب التي تتحدثُ عن
جلساتِ استحضارِ الأرواح. و لكن بحثهُ المليّ كان بلا جدوى، إذ إنهُ ما من أثرٍ في
الحجرةِ بأكملها.
جلسَ الرجلُ بعدها على الأريكةِ بعد أن شغل التلفاز. رُغم أن المنزل
كانَ مكتظاً بالحُجاج. أشخاصٌ قدموا من كُل البقاع، كانوا يمكثونَ في حجرةِ الطعام،
محدقينَ في الخنزيرِ الخشبي. بعضهم كانَ يُقسمُ بأن الخنزيرَ قد كَلمه، و آخرون
يصرخون بهستيريةٍ.
كانوا جميعهم يسألون الرجل عند
مغادرتهم :
-
كيف لا
تصدق؟ لقد وقع الأمر أمامَ ناظريكَ و في منزلك؟
فيجيبهم الرجل : "أعتقدُ أنني شاهدتُ الأمر حقاً ، و لكني أعجزُ
عن تفسير سببِ حدوثه".
حينها يحدقون بأعيُنَ مفتوحةٍ ، و أفواهٍ مشدوهةٍ لبرهةٍ من الوقت، ثم
يَهزونَ رؤوسهم بيأسٍ منصرفين.
ذات مساء، تمدد الرجلُ و زوجتهِ على السرير، فألتفت نحوه الزوجة
قائلةً:
-
ألا
تستطيع – على الأقل- محاولةَ الاعتقاد؟
-
إني
أحاولُ كُل يوم .
-
حقاً !
-
حسناً ..
لنقُل أنني كُنت أتساءل .
-
عليكَ أن
تتساءل أكثر، بإمكان هذا الأمر أن يجعلكَ أسعدَ شخص.
حدق الرجل في السقف طويلاً في صمت ، ثم سأل زوجته التي قد نامت :
-
أتعتقدينَ
حقاً أنني لستُ سعيداً ؟
-
.......
في اليومِ التالي، جلسَ الرجلُ إلى الطاولةِ مع الخنزير الخشبي
الجامد. لكن ابنتهُ حاصرته بسؤالها عمّا يفعل ، فأجابها و الارتباك يتملك صوته بـ
" لا شيء ". عندها أخذ الرجُل الخنزيرَ من على طاولةِ الطعام ، و أتجهَ
مهرولاً إلى مكتبه. أغلقَ الباب بقدمهِ ، و ضع الخنزيرَ على الأرضِ. ثم خرّ راكعاً
أمامه.
"هيا يا خنزير! هيا! ليس هنالِكَ من أحدٍ غيرنا. اجعلني مؤمناً.
اجعلني سعيداً أرجوك ."
و بعد ساعات، طُرقَ باب المكتب. سمع الرجلُ صوت زوجته
-
حبيبي ،
هل أنتَ بالداخل؟
-
نعم، و
لكن دعيني الآن رجاءً ، أنا هنا مع الخنزير.
-
ولكننا نفتقدك
، و أيضاً نفتقدُ الخنزير.
-
لا حاجةَ
لكِ الآن بالخنزير، لديكِ إله. عندما أجدهُ سأخرج، أعدك.
انصرفت الزوجة حينها. مرت أيامٌ ، و أسابيعٌ ، و شهور، و ربما سنوات.
أصبح للرجلِ لحيةً رماديةً طويلةً جداً، جحظت عيناهُ، و هزُلَ جسده ، و ضمرت عضلاته،
و تقهقرَ شبابهُ . كان على حالهِ منذ سنوات. يحدقُ في عينيّ الخنزير، في صمتٍ
مطبقٍ يَلُفُ كليهما. طوال تلك السنين ، لم يُفصح الخنزير بأي شيء. لاشيءَ ابداً. و لم تظهر أيَّ علامةٍ أُخرى من العدم.
شعر الرجلُ بدنوّ أجلِه ، بعدَ كُل تلكَ السنوات، تنهدَ. و قرر أنه ما
من إله في هذا الكون. شعرَ بحنينٍ جارفٍ نحو عائلته، فقرر الخروجَ أخيراً من
مكتبه. فتح الباب على مصراعيه. كان البهو خارِجَ المكتبِ مظلماً جداً. كان الرجُل
يستذكر ملامح المنزلِ ، مقلباً نظره في أرجاء غرفةِ الجلوس. المنزلُ كلهُ صامتٌ
بشكلٍ يبعثُ الريبةَ في قلب الرجل. لكنه افترضَ أن الوقتَ كان ليلاً، و أن عائلته
نائمةٌ الآن.
سَمِعَ الرجُل وقع أقدامٍ. إلتفت وراءهُ ، ليجد الخنزير حينها واقفاً خلفه .
