الوقائع التي أحاطت بنشر مائة عام من العزلة
روايةٌ خلف رواية
الجزء الأول
جابرييل غارسيا ماركيز
نشر في مجلة نوافذ الصادرة عن نادي جدة الأدبي
العدد 23 مارس 2003م من ترجمة : مزاور الإدريسي
في بداية آب - اغسطس 1966م توجهنا أنا و مرسيدس زوجتي إلى مكتب بريد سان أنجل بمدينة مكسيكو كي نبعث إلى " بيونس آيرس " النص الأصلي لرواية " مائة عام من العزلة " كان النص طرداً يضم 590 ورقة ، من الورق العادي ، كُتبت بآلةٍ كاتبةٍ محمولة، بفراغٍ محترمٍ فيما بين الأسطر ، و مرسلاً للمدير الأدبي لدار النشر "سود أميريكانا" و كان إسمه فرانسيسكو بورو و نناديه " باكو ".
وضع موظف البريد الطرد على الميزان ، و أنجز حساباته الذهنية ، ثم قال :
- المجموع إثنان و ثمانون بيسوس.
عدت مرسيدس الأوراق النقدية و القطع المفردة التي كانت تحملها في محفظتها، ثم واجهتني بالحقيقة:
- لدينا ثلاثة و خمسون بيسوس فقط .
و لكثرة ماتعودنا على هذه العثرات اليومية ، بعد عام ونيف من الأزمات ، فإننا لم نفكر كثيراً في الحل؛ فتحنا الطرد، ثم قسمناه إلى قسمين متعادلين. و أرسلنا إلى بيونس آيرس النصف فحسب ، دون أن نتسائل عن الكيفية التي سنحصل بها على المال كي نبعث بما بقي. كانت الساعة السادسة مساء يوم الجمعة ، و لن يفتح البريد حتى يوم الإثنين ، و هكذا كانت لدينا نهاية الإسبوعِ برمتها كي نتدبر الأمر.
لقد بقي لدينا أصدقاءٌ قلائلٌ للإعتصار ، و أفضل ممتلكاتنا ترقد في سبات الصالحين " بجبل الرحمة " كانت لدينا بالطبع الآلة الكاتبة المحمولة التي كتبت بها الرواية في أكثر من سنةٍ و نصف ، و بمعدل ست ساعات يومية ، لكننا لم نستطع رهنها، كنا سنفتقدها لحظة الحاجة إلى الأكل ، و بعد مراجعةٍ متفحصةٍ و متعمقة لمحتويات المنزل حصلنا على شيئين قد يصلحان للرهن: مدفأة غرفتي التي يقتضي حالها الرث أن يكون ثمنها جد زهيد ، و طحانةٌ أهدتها إيانا سولداد مندوسا في كاراكاس حينما تزوجنا . كان لدينا أيضاً خاتما الزواج اللذان إستعملناهما للزفاف فقط ، و اللذان لم نتجرأ على رهنهما إعتقاداً منا بأنه طالع شؤم . لكن مرسيدس قررت هذه المرة أنت تذهب بهما للرهن ، كيفما كانت الحال، بإعتبارهما إحتياط طوارئ .
ذهبنا في الساعة الأولى من يوم الإثنين إلى " جبل الرحمة " الأقرب حيث كنا زبونين معروفين، فأُقرضنا - دون الحاجةِ إلى الخاتمين - أكثر بقليل مما كان ينقصنا . و فقط لحظة عبأنا في البريد بقية الرواية فطناإلى أننا كنا قد بعثنا بها معكوسة: صفحات النهاية قبل صفحات البداية . لم يرق لمرسيدس ذلك الأمر، لأنها و على الدوام لاتثق بالصدف.
قالت :أخشى أن الناشر قد يرى الرواية سيئة .
كانت العبارة تتويجاً رائعاً لثمانية عشر شهراً أمضيناها نحارب معاً لإتمام الكتاب الذي عقدنا عليه كل آمالنا. حتى ذلك الحين كنت قد نشرت أربعة أعمال خلال تسعة أعوام ، و لم أحصلم من خلالها إلا أقل من قليل ، بإستثناء رواية " ساعة نحس " التي فازت بجائزة قدرها ثلاثة آلاف دولار ضمن مسابقة La Esso Colombiana . بها استقبلت ميلاد إبننا الثاني قونزالو، و اشتريت سيارتنا الأولى.
هكذا عشنا في منزل من يصنف على انه من منازل الطبقة الوسطى بتلال سان إنجيل إين في ملك كبير ضباط القيادة بالجيش الكولونيل لويس كودربير و الذي كان أحد أكبر مشاغلة الإهتمام شخصياً بكراء المنزل ، لقد حصل رودريقو ذي الستة أعوام و غونزالو ذي الثلاثة أعوام في المنزل على حديقة جميلة يلعبون فيها عندما لا يذهبون للمدرسة ، أما أنا فقد كنت منسقاً عاماً لمجلتي "وقائع" و "العائلة" حيث أنني قد قطعت عهداً بأنني لن أكتب كلمة واحدة إن لم أحصل على أجرٍ محترم، و وفيت به طوال سنتين .
ولكن في تلك الفترة عملت كسيناريست بمشاركة كارلوس فوينتس على رواية " الديك الذهبي" لخوان رولفو و التي أخرجها سينمائياً المخرج روبرتو كابلدون كما عملت أيضاً على النص النهائي لرواية بيدرو بارامو بمشاركة كارلوس فوينتس و التي أخرجها كارلوس فيلو، كما كتبت سيناريو " زمن الموت " و هو أول فيلم طويل لأرتورو ربستاين ، و أيضاً سيناريو " تنبؤ" بتعاون مع لويس ألكوريسا. و ما تبقى لي من الساعات كنت أنجز فيها مهاماً عرضيةً متنوعة: نصوص للاشهار، إعلانات تجارية للتلفزة ، كلمات أغان، مما يوفر لي ما أعيش به دون ضيق، لكن ليس مما يساعدني على الإستمرار في كتابة القصص و الروايات.
و مع ذلك، فقد كانت تعصف بي منذ زمنٍ بعيد فكرة إنجاز رواية خارقة تكون مختلفة ليس عما كتبته حتى ذلك الحين فحسب، بل تكون مختلفةً حتى عما قرأته، و أتخذ الأمر شكل رعبٍ لا أصل له. و فجأة، في مستهل 1965م بينما كنت ذاهباً مع مرسيدس و إبنينا لقضاء عطلة نهاية الإسبوع في أكبولكو إذا بي أحس أني مصعوقٌ برجةٍ نفسية جد حادة و جارفة لدرجة أني نجحت في تفادي بقرة كانت تعبر الطريق عندما أطلق رودريقو صرخة سعادة:
- أنا أيضاً حينما أكبر سأقتل أبقاراً على الطريق.
لم أنل لحظة هدوء في الشاطئ ، و حينما عدنا يوم الثلاثاء إلى مكسيكو جلست إلى الآلة الكاتبة لكتابة جملة إستهلالية لم أقوى على تحملها داخلي:
" تذكر الكولونيل أورليانو بونديا - بعد مضي سنواتٍ عديدةٍ و هو يقود فرقة المشاة - ذلك المساء القصي الذي استصحبه فيه أبوه لكي يعرفه على الثلج ".
و لم أتوقف ، منذ ذلك الحين يوماً واحداً كما لو كنت في نوعٍ من حُلمٍ مدمر حتى السطر الأخير حيث جرف العارُ ماكوندو.
لقد حافظت في الشهور الأولى على مواردي الجيدة، لكني في كل مرةٍ كان ينقصني وقتٌ أكثر لكي أكتب مثلما أحب، و إذا بالأمر يصل بي حد العملِ إلى ساعاتِ متأخرةٍ من الليل كي أفي بإلتزاماتي المُعلقة ، إلى أن أضحت الحياةُ مستحيلة.
و شيئاً فشيئاً بدأت أهجر كل شيء ، إلى أن أجبرني الواقع الذي لا يُداري على أن أختار دون لفٍ أو دوران بين الكتابةِ أو الموت.
لم أحتر، ذلك أن مرسيدس - و أكثر من أي وقتٍ مضى - تكفلت بكل شيء بعدما أتينا للتو على إرهاقِ كل الأصدقاء . و أفلحت، دون توسل، في الحصول على قروض من دكان الحي و جزار المنعطف.
منذ الأزمات الأولى قاومنا إغراءات العقود ذات الفوائد إلى أن ضقنا ذرعاً، فشرعنا في غاراتنا الأولى على " جبل الرحمة ". و بعد أن خففنا وطء الأزمة برهن بعض الأشياء الزهيدة؛ لم نجد محيداً عن الإستنجاد بمجوهرات مرسيدس التي ورثتها من عائلتها فيما مضى. فحصها خبير فرع المؤسسة بصرامةِ طبيب تشريح، وزن، وراجع بعينه السحرية جواهر القرطين و ياقون الخواتم، و في الأخير أعادها لنا.
- هذا زجاجٌ خالص!
لم يكن لدينا مزاج ولا وقت كي نتأكد متى تم إستبدال الأحجار الثمينة بقعر القنينات، لأن ثور البؤس الأسود كان يهاجمنا من كل الجهات. قد يبدو الأمر كذباً، لكن أحد المشاكل الأكثر إستعجالاً كان الحصول على ورقٍ للآلةِ الكاتبة، فقد كانت لدي تربية سيئة تجعلني أعتقد أن الأخطاء الطباعية و اللغوية أو النحوية هي أخطاء إبداعية، كلما وقفت عليها كنت أمزق الورقة و أرمي بها في سلة المهملات لأبدأ من جديد. كانت مرسيدس تنفق نصف ميزانيتنا الشهرية في إقتناء أهرام من الحزم الورقية التي لاتدوم أسبوعاً كاملاً، وربما كان هذا أحد أسباب عدم إستعمالي ورقاً كربونياً .
و أصبحت مثل هذه المشاكل العادية أكثر استعجالاً حتى أنه لم يكن لدينا الحماس لكي نتفادى الحل النهائي: نرهن السيارة التي اشتريناها مؤخراً، دون ارتباب أن العلاج سيكون أكثر فداحةً من الداء . لقد خففنا من حدة القروض المتأخرة، لكن لحظة دفع الفوائد الشهرية بقينا معلقين على شفا الهاوية ولحسن حظنا أن صديقنا كارلوس مدينا - الذي أدين له بالكثير- تكفل بدفعها نيابةً عنّا، ليس لشهر واحد و إنما لشهور عديدة إلى أن تمكنا من إنقاذ السيارة. و إلى حدود أعوام قلائل عرفنا أنه أيضاً رهن بعض أملاكه لكي يؤدي فوائدنا نحن.
كان أفضل الأصدقاء يتناوبون على زيارتنا كل ليلة، ويظهرون كما لو أن الأمر محض صدفه، و بحجة الرغبة في مجلات و كتب كانوا يأتوننا بقُفَفٍ من السوق عرضاً. وكانت كارمن و ألبارو موتيس الأكثر مواظبةً يمنحاني الحبل كي اقرأ عليهم فصلاً من الرواية أكون بصدد تحريره وكنت أتهيأ لأبتكر لهما حكايات لتطيري من أن يكون قصِّي لما أكون بصدد كتابته قد يرعب العفاريت.
كارلوس فوينتس فبالرغم من خشيته الطيران خلال تلك الأعوام، فقد كان يقطع أرجاء العالم جيئةً وذهاباً. كانت عودته حفلةً أبديةً لكي نتناقش حول كتبنا التي نشتغل فيها كما لو كانت كتاباً واحداً. و كانت لويزا إليو بدُوارِها الثاقب النظر و خوسي غارسيا اسكوتا زوجها الذي تشله دهشته الشعرية - ينصتان إلى قصصي المرتجلة كما لو أنها علامات مشفرة من العناية ....... و هكذا، لم يكن لدي أي تردد منذ زيارتهما الأولى، في أن أعديهما الكتاب، إضافةً إلأى أني انتبهت مبكراً إلى أن تفاعل الجميع و حماسهم كان ينير لي مسار روايتي الحقيقية ..
يتبع في الجزء الثاني قريباً.
