ثلاثة مقالاتٍ مختارة من زاوية الكاتب الشهيرة بصحيفة البلاد المعنونة بـ"من يعلق الجرس؟"
و التي نشرت في الفترةِ مابين 1997-1999م
فائز محمود أبّا
*ناقد و مترجم سعودي
إذا اختلف أفلاطون
حين استشرى تقليد الكاتب المسرحي الأوحد ويليام شكسبير بين كتاب عصره ومجايليه
حتى بلغ مداه، كتب فرانسيس بيكون مقالته الشهيرة عن أوثان القبيلة The Idols Of The Tribe والتي أمعن فيها هجوما على ظاهرة
تصنيم وتوثين شكسبير بوصفه مصدر الكتابات الشائهة التي حاولت ترسم خطاه دون أن
تتمتع بموهبته العبقرية أو تحظى بمعرفته لدقائق المسرح التي اكتسبها وهو يعمل
ممثلا صغيرا في فرقة بن جونسون أكبر كتاب المسرح آنذاك وأعظم مثقفي زمانه والذي لم
يكن يعبأ بشكسبير لأنه كان يرى أن من يجهل اللاتينية المنقرضة لا يستحق لقب مثقف،
ودعك من الطموح لأن يكون كاتبا.. وقد ذهب جونسون ومسرحه إلى جحيم النسيان ولم تبق
منه سوى ذكرى باهتة لمثقف موسوعي..
والشاهد هنا أن العبقرية الاستثنائية لشكسبير لم تمنع بيكون من حمل معوله
المجازي لإيقاف ظاهرة التوثين..
***
أما في أدبنا العربي فقد تناقلت كتب السير والتراجم عبر عصور عديدة وصف
كتاب لأبي العلاء المعري بوصفه خلاصة للزندقة والمروق من الملة وبقي هذا الوصف
متداولا إلى مطالع القرن الحالي حين قيض لنا الله الأستاذ محمود الزناتي فقام
بتحقيق وطبع الكتاب وإذا هو سفر إبداعي عظيم بل ومن أعظم ما أنتجته المخيلة
العربية عبر العصور بل إنني أعتقد -في وجهة نظر شخصية تماما- أن رسالة الغفران بكل
ما أثير حولها من الضجيج عمل عادي تماما بالمقارنة بهذا الكتاب ومن الواضح أنني
أقصد تحديدا كتاب: الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ!!.. والقضية هنا هي كيف
استسهل مؤرخونا المرور بهذه التهمة وتناقلوها كابرا عن كابر دون أن يخطر ببالهم
مجرد الحاجة إلى التأكد من محتويات الكتاب أو ضرورة قراءته! وتكون النتيجة هي نقيض
ما ذهبوا إليه وإذا نحن أمام كتاب أبدع مؤلفه في تفريع وتعديد سبل تسبيح الخالق
وتمجيده بل ويذهب أبعد من ذلك إلى ممارسة الوعظ ولكن دون مباشرة بل بإعمال العقل
والمخيلة.. ولم يتسن لي الاطلاع على كتاب شبيه في كل ما أتيح لي قراءته من الآداب
العالمية بخلاف كتاب أو كتيب جون دون: التأملات، وهو لا يرقى بحال إلى الفصول
والغايات.. لكن هذه ليست القضية.. القضية هي مناقشة ذهنية التسليم وثنية وعصمة رأي
ما عن الوقوع في الزلل.. ألا يدل ذلك على تأصل القيم البطريركية في نسيج ثقافتنا؟
وأرجو أن لا يهرع أحد من فرقة "حسب الله" للخوض في ما ورد في اللزوميات
وحتى سقط الزند لأن موضوعنا محدد وهو ما أثير في تتابع عجيب عن كتاب الفصول
والغايات في تمجيد الله والمواعظ.. أليس السبب هو تبجيل اللاحق للسابق على نحو
ينفي بشريته ويعكس ذهنية ترفض مجرد إثارة الأسئلة؟
***
ولقد تصادف أن رشحني القاص الشاب محمد المنقري -نعم هو ذاته ولكن قبل أن
يقرر الانتقال إلى المعسكر المناوئ!! لأكتب ردا على ما سطره الفريق يحي المعلمي* عن
أدب الحوار في باب تحرره مجلة إقرأ بعنوان الرأي والرأي الآخر فكتبت -ولم أكن
أستشرف الغيب بقدر ما أستقرئ الماضي- معارضا وقلت أن الإطار النظري العظيم الذي
حدده الشيخ الخليل المعلمي -وهو بالمناسبة غير المعلمي الذي يعمل في شركة البيبسي-
مجرد حلم نستشرفه ونتمنى الاتصاف به ولكن الممارسة الواقعية تدل على النقيض..
وذهبت أعد في حدود ما تسمح به مساحة الزاوية ألوانا من النقائض والممارسات
الهجائية في أدبنا العربي عبر عصور متتابعة وأختتمها بإشارة عابرة إلى ما انزلق
إليه الجابري وطرابيشي من كبار مثقفي زماننا..الخ.
خلاصة القول إنني ذهبت إلى أن المنظور البطريركي المتأصل في الذهنية
العربية قد يفضي بها إلى الإحجام عن ذكر الحقائق ما دام الخطأ أو التزييف صادرا
عمن نبجلهم ممن يكبروننا سنا.. لكني لم أذكر أن مكانة الشخص الاجتماعية/العلمية
-ولو متوهمة- تستصدر نفس الاستجابة ولكن جوقة المستنكرين التي تعالت أصواتها بعد
مقالتي عن النقد الثقافي أثبتت لي أن البطريركية الاجتماعية التي كانت تقيم
اعتبارا لفارق السن فقط قد تحولت في المشهد الثقافي -بفعل تولي بعض الأغرار سلطة
التحرير إلى بطريركية جديدة قبلتها الألقاب العلمية ولم يشفع لي لدى هؤلاء الدبلوم
العالي الذي أحمله في الأدب الإنجليزي فقلت
لو كنت "متدكترا" لم تستبح إبلي
بنو "البتاعة" من ذهل بن شيبانا
وتداعت إلى ذهني لمحات منت أحسبها ممازحة طالبني فيها بعض المعارف من
العابرين لأن أسعى للقب علمي يعيد لي حقوقا مستلبة ومع هيامي الشديد بالتحصيل
العلمي الحر والمنظم إلا أنني لم أكن أصدق جدية المطالبة أصلا! أنا الآن شخص مختلف
أوبخ نفسي على ما فرط مني في حق زوجتي التي تحمل درجة الدكتوراه في الطب وربما
أبحث عن وسيلة ما لأكفر بها عما سبق وبدر مني!
***
قبل ذلك كان الأستاذ الناقد علي الشدوي** قد قام بجهد علمي مشكور حين استقصى
بعض المقولات التي اجتزأها الدكتور عبد الله الغذامي لتوافق آراءه في المرأة
واللغة.. وهنا أيضا قامت قيامة عدد من الأنصار والمشايعين فكان أن أجرى الزميل
عبده خال -القاص المعروف وصديق المذكور حوارا عجيبا أعتقد أنه من وثائق هذه
القضية.. فقد كانت دائرة الأسئلة تتوجه نحو إرهاب "مكارثي" توّجه دكتور
آخر في الآداب بجملة -سود الله وجهك- تصوروا!! هذا بالتحديد ما ووجه به شاب كتب
على الملأ ما لمسه من ليّ لعنق الحقيقة ولكن الأنصار وسواهم لم يحفلوا أصلا بذلك
وتفرغوا لمحاكمة مكارثية جديدة وحين قرأت ما قاله الدكتور المناصر ضحكت في سري
وقلت لنفسي إنه سيتعذر عليهم توجيه هذه الشتيمة إلي لأسباب لا تخفى على فطنتكم.***
***
ومما يؤكد على ترسيخ الذهنية البطريركية واستشراء التوثيق/التصنيم بين من
يتعاطون العمل الثقافي ما حدث في المحاضرة إياها، إذ لم اقرأ -بخلاف الجملة
الموجزة التي اختتم بها الأستاذ عابد مقالته- أي مناقشة عابرة أو معمقة للمفهوم
الصحافي في الإبداع الذي يقف خلف تصور إمكان انقراض الآداب والفنون علاوة على
اشتماله لمغالطة باهظة.. إن مجرد أن يتصور أي شخص -مهما بلغ عشقه للآداب وإتقانه
بكل اللغات وتفرغه التام -وهي كما ترون مستحيلات تترى- إمكانية الاطلاع على كامل
النتاج الإنساني عبر الحقب والأزمنة منذ بدء التدوين ادعاءا عريضا جدا لا تجد لها
معه أي ملاطفة أو رغبة في استبقاء وداد…. وبدلا من أن يحاول هؤلاء مناقشة
هذه القضية تفرغوا لشخصي تقريعا وسخرية.
هذه جملة إدانة تبرهن أن ذهنية هذا النوع من المشتغلين بطريركية حقا تبحث
عن تقديس وتوثيق من تبهرهم ألقابهم ولا بأس في ذلك كعيب شخصي فالكارثة تكمن في
الخروج على الناس بكتابات من هذا النوع ولذا واتساقا مع ما سبق أن أعلنته من
انتماء أصيل للتراث الهجائي أستبقي لنفسي حق الرد عليهم -ليس هنا بالطبع فسأفي
بوعدي أناقش فقط الجانب الثقافي من هذه القضايا ولكن في منابرهم وأتمنى عندئذ ألا
تحجبنا صحفهم- كما تعوّدت في السابق من باب المساواة في الحقوق على الأقل ما دامت
تسمح لهم بنشر هذا العبث تُرى هل يتاح لنا أن نناقش القضايا الثقافية دونما اعتبار
لغير الحقيقة؟ وهل سترقى الممارسة الصحفية لدرجة لا تستبيح فيها العبث بالذمم
والأخلاق؟ كيف ومتى؟ وأخيرا أقول
أبني حنيفة ألجموا سفهاءكم
إني أخاف عليكم أن أغضب
الهوامش :
1- الفريق/ يحيى المعلمي. شاعر و كاتب سعودي له مؤلفات عديدة في الدين و الأدب و المجال العسكري توفي عام 2000م .
2-علي الشدوي. ناقد و روائي سعودي معاصر من رواد التجديد.
3- يعبر الكاتب هنا عن سخريته من شتيمة العنصرية -سود الله وجهك- و يلمح بأن بشرته سوداء أصلاً و لهذا يستحال أن تُقال له.
عن أوهام الاستقلال
والحاجة للتفاعل
لعلنا لا نحتاج إلى كثير من التمعن لكي ندرك الأضرار الفادحة التي يتسبب في
إحداثها الجو الثقافي غير الصحي السائد وخاصة فيما يتعلق بالحاجة إلى تطوير
التجارب وإنمائها بدلا من المراوحة في ذات المكان مما يتناقض مع منطق التاريخ
وحركية الواقع الاجتماعي في جدوله الذي لا يكف والذي لا نكاد ندرك مراميه..
وكنت قد أشرت إلى جانب من هذا التردي والمتأتي من باب حسن النوايا وذلك في
الحلقة قبل السابقة حين تناولت إصدارات الأجهزة الثقافية المتعددة وما تضطر إليه
من استقطاب لأقلام أبسط ما يقال عنها أنها مدرسية تسطر أطروحاتها من خلال منظور
براجماتي يستهدف الترقية الأكاديمية قبل أن يبحث عن الجديد والنافع والمفيد وهذا
لا يعني بالضرورة أن كافة هذه المشاركات تجيء موصومة بهذا الهاجس غير أن الأغلبية
كما يعرفه الجميع لا تكاد تخرج عن هذا التصور البائس.
وهنالك جانب آخر لهذه المعادلة المعضلة يتمثل في واقع الملاحق والملحقات
حتى لا يغضب شيخنا الجليل أبو تراب الظاهري ويتمثل هذا الجانب في انتقاء التفاعل
بينها مع أنها هي ناقلات التعبير المثلى في واقعنا الثقافي والتي بقيت ترود العمل
الثقافي وتقدم لنا شتى تجلياته على نحو تكاد تتميز به ساحتنا الثقافية عن مثيلاتها
في باقي أجزاء الوطن حيث لا تقوم الحاجة إلى مثل هذا الارتباط الكاثوليكي بين الحركة
الثقافية والصحف والمجلات اليومية والأسبوعية.
وقد تمادت هذه الملحقات في استقلاليتها وربما تشبها بالتيارات السياسية
القومية التي صارت تزدهر يوما إثر آخر وتسير في اتجاه معاكس تماما لدعاوى القرية
الكونية وغلبة العولمة كما يراد لنا أن نفهم -مهما كان السبب إلا أن هذه الظاهرة
مقلقة تماما وتترك المواهب والقدرات الفنية والإبداعية رهينة مرحلة ما من بدايات
تبلورها كما تسلبها حقها المشروع في الاجتهاد والجهاد أملا في التطور ورغبة في
الارتقاء…
ومن العجيب الغريب أن لا تستفيد هذه الملحقات من تراكم تجاربها وتعجز
بالتالي عن تنمية تيار كان قد تبلور في العقد الماضي واتضحت فوائده في ربط الحركة
الثقافية في البلاد من أقصاها إلى أقصاها… كانت الملحقات بالأمس القريب جدا
تتفاعل مع بعضها وتنافس الأطروحات التي تنشرها الزميلات كما تحتفي بالنص الإبداعي
المبهر في أي منبر من منابر النشر.
ومثل هذا التصور الإستراتيجي لدور الملحقات هو الضمان الوحيد لعدم انتشار
النزعات الاستقلالية التي لا مكان لها في ساحة الفكر والثقافة والتي سيؤدي ترسيخها
إلى تفاقم الشعور بالعزلة وغلبة نوازع اللاجدوى على طوائف لا حصر لها من المواهب
الشابة بما قد يغتال إمكاناتها قبل أن تتبرعم أصلا وهو خطر ماثل في ظروف كظروف
ساحتنا.
من جهة أخرى يبزغ خطر آخر نجده الآن ماثلا في الممارسات الكتابية لعدد من
الأقلام الشابة والتي أخذت تتبوأ مقاعد الأستاذية الفارغة وتمارس من خلال كم كتابي
متدفق لا يتيح زمنا للتروي ولا للتدبر، فوقية مجانية محزنة لأنها لم تصطدم يوما
بالرأي المناقض بل إن بعض هؤلاء لم يستطع مجرد احتمال مخالفة رقيقة هاشة باشة لا
لشيء سوى أنها زعزعت أسس منطلقاتها وبدلا من انتهاز الفرصة للدخول في الحوار الجاد
المثمر وتجربة الأدوات والمفهومات رأيناهم يلجئون إما إلى كتابات تعميمية تطمح إلى
اختزال كافة ملامح ما يسمونه "بالخطاب الثقافي ويقصدون به كامل الممارسات
الثقافية وكمرادف للمصطلح الأجنبي Discourse
لينتهوا إلى نتائج تعميمية أيضا ترمي هذا "الخطاب" بكل أنواع النعوت
السالبة لتنفرد مرة أخرى بالادعاء الزائف وهو امتلاك الصواب واحتكار الحقيقة وهذا
منتهى البؤس لجيل كان يرجى منه أن يذهب بعيدا في تعميق مفاهيم التعددية وقسر
النفوس على القبول بها خاصة إذا سلمنا بأن الجميع ناتج لبنية هيراركية اجتماعية
غائرة في الوجدان لا يمكن مقاومتها إلا برياضة النفوس على ما تكره، وأما الفريق
الآخر من أمثال هؤلاء الشباب فهم فئة تعجز عن احتمال مسئولية الكلمة وتريد
المحافظة على المواقع المكتسبة بالخواء والمصادفات المجانية ولذلك تكتفي بالأسلوب
الحريمي وليس النسائي كما لا أحتاج أن أوضح، ولذلك تمعن في كتابة الأعمدة المجتزأة
لتصب غضبها على كل من لا يرون لها من المبدعين أو النقاد أو ما شئت من التصنيفات
وهذه أيضا فئة مضللة ومضللة وربما كانت بحاجة إلى إلتفاتة جدية تشفيها من مثل هذه
الممارسات وتوجه طاقاتها نحو العمل المثمر إن كانت لديها موهبة أو تدلها على سلالم
الصعود فتريح وترتاح وتخلع الأقنعة التي ألجأها إليها خوف لا مبرر له وتطالع الناس
بتصريح كامل وجهر بالحقائق إن كان فيما تزعمه أي لون من ألوان الحقيقة!!
كل هذه النتوءات تستدعي من القائمين على الملحقات الثقافية الفاعلة
والملتصقة بالخطة التي تأمل في استشراف مستقبل الحركة الإبداعية وهو ما يستثني
الموجودين بالضرورة والمفروضين بحكم التقادم والأقدمية نقول أنها تستدعي نمطا
مغايرا ينتزع لحظات من اللهاث اليومي ليفرغ لتأمل ما تطرحه الزميلات التي تشاطرها
الهم والمسئولية التاريخية وتعنى بمحاورته محاورة خلاقة قادرة على بلورة هذه
الطروحات أو إضاءة زوايا لم تبلغها وهذه في توهمنا هي الطريقة الأنجع للقضاء على
الحساسيات المرضية المتوجسة من كل رأي مخالف فهل نحلم بعودة هذه الممارسات بما
يليق بوجع اللحظة التاريخية والحجم الحقيقي للحركة الثقافية؟
الموجة الثانية
وضرورة إنتاج وعي الحركة بذاتها
يتفاقم في وجداني يقين متعاظم عن حاجة الموجة الثانية من الحركة الإبداعية
المحلية الحديثة للإقدام على إنتاج ما أسميه وعي الحركة بذاتها كمخرج وحيد من مأزق
التجاهل النقدي الذي تعانيه.
ولأنني على ثقة من أن كتاب الموجة الثانية يعون جيدا مجمل المأزق التي تعترض
مسيرتهم وتعوق تطورهم -وقبل كل ذلك متحققهم على النحو المفترض- أجد لزاما علي أن
أنبه رموز هذه الجماعة المتناثرين على امتداد تراب الوطن في بعض محطات الاغتراب
إلى أمر هام -أو هكذا أتوهم وهو قصورهم عن إنتاج وعي الحركة بذاتها وأسارع فأقرر
بأنني أنتظر منهم المبادرة لتصويب هذا الخطأ في التصور وإيضاح ما قد يكون ند عن
فهمي وقادني لهذا الضلال المبين! وإمعانا في هذا السبيل أرى أن مسئولية أبناء هذا
التيار تتعاظم بعد أن تحمل عنهم كتاب الموجة الأولى كافة صنوف الأذى ثقافيا
وحياتيا لتكتسب كتاباتهم مشروعيتها وتتجذر في الوجدان العام.. ولا عبرة هنا بما
يردده بعض المستسهلين من منسوبي هذه الحركة عن تساقط بعض الرموز وانحراف بعضها
الآخر.. الخ. لأن النص الإبداعي -كما يقرر الأعمى العظيم بورخيس- قد التحق بتراث
الأمة ولم يعد ملكا لمنشئه..
ومن هنا فإن على هؤلاء الكتاب رعاية إبداعاتهم والكتابة عنها علانية في
الملحقات الثقافية ولابد لهم من التخلي عن الحذر والخوف من الاتهامات المجانية
التي لا تشغل سوى الفارغين والذين لن تتبدل مواقفهم مهما أمعنا في مسايرتهم ثم
أننا لابد أن نهتدي بقاعدة شرعية عظيمة فحواها: أن العمل خوف الرياء رياء ولا مجال
للتشبث بالزهد في الأضواء ولا البعد عن اللعبة الإعلامية بكافة شروطها لأن العمل
الثقافي الجاد سيبقى بعيدا عن كل هذا الضجيج المفتعل وعلينا أن نثق في وعي القارئ
الذي يعرف كيف تسلل الصبية والفارغون إلى مثل هذه المواقع كما أنه قادر على تمييز
أنواع الممارسات الكتابية ولن يضلله مانشيت عابر أو إثارة مستهلكة!
ولقد حظيت بحكم علاقتي الشخصية بعدد لا بأس به من هؤلاء
الشباب الجادين من أبناء الموجة الثانية، حظيت بالاطلاع على مواقف لا نملك أمامها
إلا الإكبار والإعجاب وخاصة فيما يتعلق بقدرتهم على تجنب إغراءات وإغواءات الماكينة
الإعلامية ووهجها المحرق برغم أن بعضهم يعملون كحرفيين في صحف يومية ومجلات
أسبوعية وبأيديهم سلطة ميسرة تتيح لهم -لو أرادو- تلميع ذواتهم وبهرجتها وموالاة
نشر الأخبار الجليلة والتافهة عن نشاطاتهم وأشخاصهم في واقع يرون فيه رموزا مكرسة
تقوم بصياغة الأخبار وتفكيسها للنشر.. لكنهم أدركوا جلال الحرف وقدسية الكلمة
فاستعصموا عن ممارسة تقبلها أكثرية الوسط الإعلامي ودعك من الممجوج والمستقبح مما
يستدرج سواهم ولا يجد سلطانا على سلوكياتهم..
ولعل خير ما يوضح ما أقصد إليه ما يتحمله بعض هؤلاء من
عنت ومشقة حين يهدرون جهدا ووقتا في تجيير وكتابة رسائل مطولة لزملائهم بقصد
الإبانة عما يعتقدون أنه يعتور هذه الأعمال من ضعف أو قصور لأنه من الواضح أن هذا
النوع الحميمي جدا من المكاتبات يستهدف بالدرجة الأولى إبراز مكامن الضعف في العمل
الفني باعتبار أن مسئولية تطوير أي تجربة إبداعية هي مسئولية مشتركة وهذا سلوك لا
نملك إلا أن نعجب به ولكننا لا نقره على إطلاقه لأن أمام هؤلاء الكتاب مسئولية
أعظم -في ظل الظروف المعروفة لقرطاسياتنا
وبؤس المعروض من العناوين في دور النشر- وهي مسئولية مشاطرة الوعي مع القارئ
الذي نفاجئه بنصوص إبداعية تتخلق وفقا لرؤى وتجارب تغيب عنه سياقاتها ويجد نفسه
بالتالي معزولا عن كامل نتاجها.. ومع أنني عالنت بعض هؤلاء الكتاب بوجهة نظري هذه
إلا أنني مازلت أعتقد أنها بحاجة للكثير من الإيضاح والتفصيل حتى يدرك الجميع
مسئولياتهم في ضرورة نشر قراءاتهم للأعمال الفنية التي ينتجها زملاؤهم ولا عبرة
هنا بافتقادهم للمعارف النظرية النقدية أو قلة حصيلتهم من المصطلح النقدي: إن ما
سيكتبونه سيكون شهادة من فنانين يمتلكون الوعي بالفن ولهم زوايا نظر مختلفة عن
زملائهم وهو أقصى ما يطمح أي كاتب لاستيعابه.
فهل نرى ما يؤكد مثل هذا الوعي قريبا أم سيبقى الكتاب في
انتظار جودو بعد أن أخبرهم هو ورفاقه أنهم مشغولون إما بدراسة اللعب أو الانغمار
في قراءات طليعية تنتقل من الأغلفة إلى شعارات دور النشر وتترك النصوص هملا؟
إشارة: بعد أن كتبت المقال وقبل النشر بدأت الظاهرة
تتخلق ترى هل هو تزامن في الإحساس؟
