"إنني أحس بواسطة
الجسد لا بواسطة الروح "
فازلاف نجنسكي
في إحدى
فصول كتاب اللامنتمي تحدث كولون ولسون عن
راقص البالية " نجنسكي " وتحديدًا فصل ( محاولة اللامنتمي لكسب السيطرة
على الجسد )
كنموذج لللامنتمي
الذي يحارب تلك المشكلة راقصا بإعتبار الرقص حالة من التعبير الذاتي الخروج منها
يعني موتًا للروح ،ومسحًا لذاته لذلك يولد الراقص بإنفعالاته بإعتبارها ثقلاً
هامًا لإستشعار وجوده المادي ..
_ولد نجنسكي في كييف– روسيا 1890 من عائلة عريقة بفن البالية والسيرك وفي حين كان البالية في روسيا
يتطور تطورًا سريعًا ومذهلاً ، إلتحق بمدرسة الرقص -بسانت بطرسبورغ - بسن التاسعة وتخرج
منها بسن الثامن عشر ليصبح عضوًا أساسيًا في مسرح المارينسكي وبلغ من مهارته أن
حصل مباشرةعلى مركز مراقص "الفتاة
الأولى" الذي يضعهُ في مكان القيادة على مجموعة الراقصين ..
لقد
كانت مملكة نجنسكي هي الجسد وقد شهد الذين رأوه وهو يرقص بقابليته الفذة لأن يكون الشيء
الذي يريد تمثيلة . فقد أبدع حتى في أدوار الراقصات ، وقد وهبه نظامه القوة في نبذ
ذاتيته متى أراد أو توسيع بعض الأجزاء وتقليص الأخرى ليحقق وهم الشخصية الجديدة بصورة
كاملة وكانت هذه القوى قد أصبحت في بعض الأوقات
شدة صوفية من الانكار والتضحية الذاتيتين في رقصاته ، مما وهبه بين الحين والحين
تلك الرؤى المدركة عن ذهول القديسين .. يقول نجنسكي في مذكراته :
" احب كل احدب واحب كل مشوه آخر ،
انني نفسي مشوه يتمتع بالشعور والحسية ، وأستطيع أن أرقص كالأحدب . انني فنان يحب
كل الأشكال وكل الجمال "
كانت نقطة التحول في
حياة نجنسكي هي لقاؤه ب "كان ديالكيليف " وهو هاويًا غنيًا من هواة
الرقص ، ألف فرقته الموسيقية الراقصة بإنضمام نجنسكي لها التي وجدها فرصة مُلحة
خاصة حين كانت عائدات فرقة المارنيسكي لا تغطي نفقات عائلته التي شعر بسؤولية
كبيرة إتجاهها بعد أن جُن شقيقة مما أُضطره لإرسالة لمستشفلى وتحمل نفقاته بشكل
مستمر .
كانت فرقة ديالكيليف نافذة للنجاح الكبير حيث بدأت شهرة الفرقة تفيض خارج
روسيا لتقيم عروضها في مختلف العواصم الأوروبية ..
لكن نجنسكي وبحسب
ماورد في مذكراته أنه ضاق ذرعًا بمعاملة دياكيليف الذي كان له ميولاً جنسية شاذة
.. فكتب عن ذلك :
"لقد كرهته لأن
صوته كان قويًا معتديًا ، الا انني تبعته – الى غرفة دياكيليف بالفندق – لانني كنت أنشد المستقبل .. وبدأ .. فسمحت له مباشرة بـــ وكنت أكره ذلك ، الا انني تظاهرت
بأنني أميل اليه ، لأنني كنت أعرف أني أنا وأمي سنموت من الجوع ان أنا لم أفعل ذلك
"
ثم لم يستطع نجنسكي
إحتمال إستمرار الحالة التي كان يعيش فيها إذ أن دياكيليف كان يعتبره كزوجة له ،
وكان نجنسكي يحمل بداخله شعوريا دينيا عميقا مما جعله يضيق بجو المسرح التي لا
تنتهي مشاكله وبجو الشهوانية مع دياكيليف وضاق بشعوره أنه طفل موهوب لا عقل له ..
سافر نجنسكي بعيدًا
وتزوج راقصة بالية ، ثم بدأ نجنسكي بالسنوات التالية لزواجه الشعور بأكبر مشاكل
اللامنتمي " التفاهة الذاتية "
حاول حينها الصمود
على خشبة المسرح ، سافر الى أمريكا وقام بتقديم الكثير من العروض الناجحة الا أنه
لم يأمن جانب دياكيليف الذي قام بمحاولاته
المستمرة بعرقلة نجنسكي ودفن فنه ، ومع نشوب الحرب غادر أمريكا عائدًا حينها صرح
لزوجته رغبته بترك الرقص والعيش بزاوية ما في روسيا متفرغا للقراءة وكتابة مذكراته
..
كتبت زوجته في مذكرات
حررتها عنه أنه في آخر عروضه المسرحية حين طُلب منه الرقص أمام جمع غفير من الناس
، وقف وحملق لمدة نصف ساعة في حين لاح الجمهور وكأنه واقع تحت تنويم مغناطيسي ،
وأخيرًا قال للناس " سأرقص لكم رقصة الحرب بشقائها وموتها ، الحرب التي لم
تفعلوا شيئًا لمنعها ، والتي أنتم مسؤولون عنها " .
لم يمض أسابيع عن ذلك
العرض حتى أخبرها أحد المحللين النفسيين أن زوجها أصبح مجنون جنونا لا يرجى شفاؤه
. وكان حينها بعمر التاسعة والعشرون
من خلال تعريف كولون
ويسلون لشخصية اللامنتمي فهو لا يرى أنه مجنونا بقدر ماهو شخص يشعر أكثر من اللازم
،ان روح اللامنتمي تشعر بتجذرٍ مقلق للفوضى مما تكوّن له حالة من الفزع يؤديها
إنفعال ما كما تحول إنفعال نجنسكي من الرقص الى الكتابة حيث تفرغ لكتابة مذكراته وفي ما يتعلق بهذه اليوميات يقول نجنسكي
:
"ان
كل شخص سيفاجأ لدى قراءته هذه السطور التي اريد نشرها خلال حياتي لأنني اعلم مدى تأثيرها.
اريد ان اعكس الانطباع عن شيء حي وحقيقي. لا اريد من الناس ان تقرأ حياتي بعد موتي.
لا اخاف من الموت لكنني اخاف من اتهامات الناس لي. سيسيئون فهمي".
"سيقول الناس أن
نجنسكي يتظاهر بالجنون لأن الأعمال التي قام بها سيئة ، ان الاعمال السيئة مفزعة
حقًا ، ولهذا فانني لاأريد أن ارتكب شيئًا منها ، لقد ارتكبت بعض الأخطاء في
الماضي لانني لم أكن أفهم الله "
"الله هو نار في
الرأس "
" انني الله في
جسد . وكل انسان يحس بهذا الاحساس ، إلا ان أحدًا لا يستخدمه "
"انني في غيبوبة
، غيبوبة الحب . اريد أن أقول أشياء كثيرة الا انني لا أجد الكلمات . انني أكتب في
غيبوبة وهذه الغيبوبة تدعى بالحكمة . كل
انسان هو كائن عاقل ، وأنا لا أحب الكائنات غير العاقلة ، ولهذا فإني أود أن يكون
الجميع في غيبوبة المشاعر "
" أعتقد انني
عانيت أكثر مما عاناه المسيح . انني أحب الحياة وأريد أن أعيش وأبكي ، الا انني لا أستطيع .. أحس بألم في روحي ،
بألم يفزعني . ان روحي هي المريضة لا عقلي
" .
مع مذكراته تراجع
نجنسكي الى العالم الخاص به ، عالم لم تفلح أي جهود لإخراجه منه بقي متنقلا بين
المصحات يحملق طويلا ولا يجيب على الأسئلة حتى مات عام 1950 في أحد مستشفيات لندن
.
المصادر / اللامنتمي ، كولن ويلسون
كتاب يوميات فاسلاف نجنسكي


