الأحد، 23 أغسطس 2015

مابين الطرائد و الفراشة - مختارات قصصية لأمين صالح



أمين صالح



كاتب بحريني من مواليد 1950 :

يكتب القصة القصيرة و الرواية و السيناريو. 
مترجم ، ومهتم بالسينما بشكل خاص .
كتب قصة وسيناريو أول فيلم روائي في البحرين ( الحاجز )
له العديد من الأعمال التلفزيونية في مجال الدراما و المنوعات.






طفلة



لم يكن عادياً ذلك الضباب الذي احتل المدى، في تلك الليلة ، و انتشر في ارجاء المدينة. كثافته عطًلت حركة المرور و أغلقت الحوانيت و أرغمت الناس على اللجوء إلى منازلهم.
خلف النوافذ تحصنوا يرصدون هذا النسيج المتشابك الهائل، هذا الزحف الفريد الذي نثر فلوله أفواجاً لترابط في الممرات و الأزقة و الساحات و الميادين.
لم يصادفوا ضباباً كهذا منذ زمن. غداً عندما ينقشع سيتذكرون الليلة ككابوس أو كغزو فضائي أو كبطاقة دعوة للتوحد بعثتها الطبيعة. الآن، يراقبونه من خلال الزجاج، و حيناً يتبادلون الحديث عن الطقس و العشاء و السهرة المؤجلة.
آثروا البقاء و التمترس خلف قلاعهم الآمنه. لم يجرؤ أحد على الخروج سوى الشحاذة الصغيرة . . لأنها لم تكن بالداخل، لأنها اعتادت النوم على الأرصفة و عتبات البيوت، إذ لا أهل لها ولا مأوى.
عندما رأت الصغيرة الضباب قادماً نحوها اغتبطت وانتصبت وسط الطريق مرسلةً ذراعيها تستقبل زبد الهواء و روح الثلج. لم تجبن أمام الزحف الوديع، الاجتياح العذب، بل أباحت نفسها –بطواعية و لهفة- للأسر.
سيحتويها المد الساحر، ستصبح إحدى ذراته. حينئذٍ ستتجول بحرية في كل الأقاليم، تسمو تحلق تنحدر، لن يزجرها أحد. تقدر أن تصير فراشةً إن شاءت.
هكذا وقفت بثبات، و ما أن لامست الطراوة وجهها وباقي أجزاء جسمها حتى إكتست بجلدٍ جديدٍ أبيض، كأنه من ضوء. كانت الأنفاس الندية قريبةً منها، قريبة إلى حد أنها تستطيع أن تشمها، أن تتحد بأنفاسها. و شعرت بالجزيئات اللامرئية تتغلغل في خلاياها. كان احتواءَ اندماجاً اتحاداً حميمياً. بالتدريج خفّ وزنها، تقلصت اطرافها، تضاءلت. صارت بحجم جنين، فقطرة، فذرة.. ثم تلاشت.
سكان البيوت المحيطة اضطربوا حينما شاهدوا الضباب يغمر الطفلة.. كأنه يمتزج بها، كأنه يبتلعها. و لما تبدد الضباب خفقت قلوبهم و ارتجفوا لأن الصغيرة لم تكن في موضعها. هي الآن في جوف الوحش.
في اليوم التالي عاد طقس المدينة إلى صفائه و هدوئه، و خرج الأهالي يبحثون عن الصغيرة ولكنهم لم يعثروا عليها.
ظلّت حديث الناس لعدة أيام ثم نسوها.
بعد ثمانية أيام، توقّع مركز الأرصاد الجوية حدوث ضبابٍ خفيف، لا يُقارَنُ بذلك الذي اكتسح المدينة، وأكد على عدم خطورته.
في المساء، بينما كانت عائلة ما تتناول عشاءها، سمعت طرقاً على الباب. نهض أحدهم ليرى من الطارق. عندما فتح الباب لم يجد أحداً، غير أنه لمح ضباباً يبتعد مسرعً..
متقمصاً شكل طفلةٍ يتطاير شعرها في الهواء.
الكثيرون سمعوا الطرقات في تلك الليلة، و أبصروا ضباباً على هيئة طفله. بعضهم جزم أنها الشحاذة ذاتها.
 

الملهاة السوداء

 تمكن أسير الحرب – بطريقة ما- أن يختبئ في الدولاب لينجو بنفسه من الإعدامات الجماعية التي كانت تجري في المعسكر صباح كُلِ يوم .. لإرضاء الجنرال الهرم الأبكم، بينما جنود المظلات يؤدون الألعاب  السويدية في المراحيض.. لازدحام المعسكر بالكتائب من جهة، و لعدم تلوث المكان بالإشعاعات .
نقلو الدولاب- مع الأمتعة القديمة و الآلات المعطوبة و النفايات و الجنود المصابين بالغرغرينا_ في شاحنةٍ متهورة تحركت بطيش فوق طرق وعرة بمحاذاة النهر. و لما وصلت الشاحنة قرب شلال، أفرغت حمولتها بفظاظة فاندلقت الحمولة كلها في النهر، و غاص الدولاب في الأعماق.
هتفت الأسماك فرحةً بالوجبة الدسمة و تنازعت بعضهن على الدولاب الذي استقر اخيراً في أحشاء سمكةٍ ماكرة استطاعت بدهاءٍ أن تخدع الأخريات إذ أوهمتهن أن بالدولاب إشعاعاتٍ نووية. برشاقة انسابت هذه السمكة في المياه متباهيةً باكتنازها فخورةً بدهائها، غير أن ذكاءها لم يصمد أمام جشعها و شهوتها للطعام.
هكذا وقعت في شرك صياد كان ينصب الفخاخ في أطراف النهر، و يدخن غليوناً بينما يحلم بجوهرةٍ كبيرة تبدل حاله و تنقله من الكوخ إلى القصر حيث الجواري و الخدم و ما لذ وطاب من ثمر و خمر. و عندما يكتشف أنه قد اسرف في التمني، يعتذر و يكتفي بقارب و زوجة و أسماك كثيرة.
هاله انتفاخُ بطنِ السمكة العالقة في صنارته. سحبها بحذر نحو الساحل وراح يدور حولها متفحصاً. كأنها حُبلى بقارةٍ من ذهب، بكنزِ قرصان، بياقوت و زمرد و ماس، ببارجة حربية. و إذا خذلته توقعاته، فعلى الأقل سيجد طعاماً يكفيه اسبوعاً. شق البطنُ فوجد دولاباً. ابتأس, و قال لنفسه مادام دولاباً عسكرياً سآخذه إلى المعسكر.
في المعسكر فتحوا الدولاب ورأوا أسير الحرب ينتفض هلعاً. هنأوه بالعودة إلى قاعدته سالماً، و أحتفوا به، و كافأوه على شجاعته بأن منحوه وساماً و وضعوه بالخطوط الأمامية.
مرةً أخرى وقع أسيراً في أيدي جنود المعسكر الآخر. وبطريقةٍ ما تمكن من التسلل إلى خيمة الجنرال الأبكم و الاختباء في درجِ مكتبه.


انفعالات طفلٍ محاصر


- 1 -
أتكىء على منضدة، بقربي كراسي وفناجين شاي وصخب الرواد وآيات قرآنية معلقة على الجدار وحكم وأمثال يعلوها الغبار ويغطيها الذباب، وليس بيني وبين البحر سوى جدار سميك. وأمامي تجلس فتاة ليس بينها وبين البحر سوى جدار سميك. وأنا أحبها وهي تحبني وهذا الحب سخي جداً ولكنه طريد، تلاحقه معاطف المخبرين بيتاً بيتاً. ركناً ركناً.. ولأنه خارج على القانون فإننا ـ أنا وهي ـ نخبئه في محاجر الفصول (كل الفصول حقول للفقراء) ونتظاهر بأننا زوجان شرعيان يمارسان الحب ـ دون حب ـ علانية أمام الرقباء وأولياء الأمور ومعاطف المخبرين، ونتظاهر بالإصغاء إلى ثرثرة المقهى، وحين نخرج من المقهى ندلف حديقة فقدت زهوها وكبرياءها منذ زمن، ونتنزه على مضض (كل حدائق هذا الوطن استحالت خرائب ومساكن للبوم والوطاويط) نستلهم الماضي والمستقبل ونصيخ السمع إلى آهات خافتة تأتي من بعيد، ورنين أجراس تتوجع وتحترق ببطء، وضجيج أظافر تنتزع وهي في المهد. ثم خرجنا من الحديقة ودخلنا في فضاء مبهر ـ كان الباب مفتوحاً ـ وأبصرنا درباً طويلاً يفضي إلى الضوء ـ هكذا أيقنا ـ وتوغلنا.. تداعبنا النسائم والألوان وعرائس جميلة تتقدمنا.. وبين الفنية والفنية تلتفت إلينا العرائس وهي تبتسم، وكنا مأخوذين بهذا السحر المدهش. وصار الدرب موجة نتهادى فوقها. قالت حبيبتي : أسمع هديل البحر. أومأت: وأنا كذلك.. ولكن، بغتة اختفى الدرب والموجة والعرائس وانحسرت الألوان، فاكتشفنا مرة أخرى أنه ليس بيننا وبين البحر سوى جدار سميك.
- 2 -
عين في الرأس وعين في الأرض.
- 3 -
أعشق الريح والخليج والوقت الآتي والرمل والبحر والمراكب.
- 4 -
الانتفاضة والسجن والأغنيات الحزينة التي تنحدر من السقف لكي تستقر على الأرض وتستند إلى الجدار بالقرب من أبي ذر الغفاري المتكئ على قميصه المبتل بالدم. وأبو ذر يرسم وجه وطن دامع العينين ثم يأخذه في راحتيه ويطلقه عبر الكوة البعيدة.. وأبوذر يلتقط فرحه الصغير ويخبئه في ياقة قميصه لئلا يعثر عليه الحارس المهوس بالدم واللحم والصرخة. وأبو ذر يخاطب الباب ويكاتب الأحباب الذين ينتشرون في أروقة الحلم كاللبلاب، ويخاطب ترانيم الأزقة ويكاتب الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في الغزوة الليلية المعتادة والزوجات اللواتي حملن أطفالهن وتناثرن في الضواحي الفقيرة.
ـ 5 ـ
إنها مؤامرة، إنهم يحاولون أن يصوغوا عالماً لا مكان لنا فيه.. هكذا صرخ صديقي الذي أخذوه في ليلة من ليالي أغسطس لكي لا يفضح مناورتهم الجديدة.
وما زلت أصرخ.............................................
وصادفني قاطع الطريق وقال : أهلاً. أجلسني بقربه تحت جذع شجرة كبيرة، ودعاني لكي أقاسمه الطعام، كان الطعام قليلاً فخجلت ؛ ولكنني كنت جائعاً وكان هو جائعاً، فأكلنا ولم نشبع. أراد أن يتكلم ولكنه لمح الحزن في وجهي، فصمت. وبعد فترة.. قدم لي لفافة. شكرته بإيماءة من رأسي.
وحينئذ انطلق في الحديث. قال انه اختار هذه المهنة لأن هناك عصابات ترتدي قفازات مخملية قد احتكرت مياه الشرب ومنعتها عن الأهالي، ولهذا فهو يحارب هذه العصابات ويسلب مواشيها وعرباتها المحملة ببراميل الماء ثم يقوم بتوزيعها على الأهالي. سألته عن اسمه فلم يخبرني. بل راوغ وراح يتحدث عن أشياء أخرى.. تحدث طويلاً عن الحصاد والأمطار وأعراس القرويين وأغاني الراعيات في السهوب ورؤيا الأنبياء.
وحين ودعته.. اكتشفت أن وجهه ليس غريباً.. وجزمت بأنني رأيته في مكان ما، وربما في كل مكان.. في النيل والفرات والأوراس وتل الزعتر و.. فرجعت ولم أجده.
- 6 -
في وطن ما اضطر شخص ما.. أن يبيع ذراعه الوحيدة بعشرة قروش، وذلك بعد مساومة فاشلة (أما ذراعه الأخرى فقد نسيها يوماً ما في أمعاء رجل سمين أثناء مشاجرة بينهما، ويقال أن الرجل السمين يملك نصف المدينة، ويصر على أن يمتلك نصفها الآخر).
لم يكن في وسع هذا الشخص أن يفعل شيئاً آخر سوى أن يبيع ذراعه، فهناك.. تنتظره أفواه جائعة وحلوق جافة تقتات البرسيم وقصاصات الورق، خلسة، في الحظائر، وهو يدرك جيداً أن القانون يعاقب من يعتدي على الملكية الخاصة.
وفي أثناء رجوعه، فكر الشخص في أن يشتري ـ بالقروش العشرة ـ خمسة أرغفة وطبقاً من الفول. ثم انتبه إلى أنه بدون ذراعين، فاكتأب وجلس على الرصيف وهو يفكر في طريقة يستطيع بها أن يحمل الفول والأرغفة إلى زوجته وأطفاله.
- 7 -
تعالي أيتها المرأة المطهمة بالنار والماء. خذيني بين ذراعيك البيضاوين وامسحي على شعري برفق. اقرأي سري الغامض. قبلي جرحي الناهض. (هذا الساحل لا يعرف الاستغاثة، لا يسمع الاستغاثة).. خذيني وضعيني في أتون الحب ولا تغادريني. تأقلمت مع الصبر زمناً. تكورت حتى أحدودب حلمي. حاورت القتل والإرهاب، فقتلتني الجريمة وشردني الإرهاب، وما عدت أطيق التأقلم والتكور. هذه أصابعي أمدها حيث تتقاطع الأنهار في عينيك وتنتشر كالمدى، كالأفق. خذيني يا أمي، يا أختي، يا حبي، يا وطني، يا مطري، يا مواكب الفقراء.
وذئاب الصحراء زمجرت في وجهي، وكنت ممداً على الأرض. في كل رسغ قيد وفي كل قدم قيد، وكان صدري عارياً تحت وهج الشمس وزمجرة الذئاب، وكانت دمائي تغادر جسمي وترحل.. أراها تعبر حدود البصر. وبدأت الذئاب تلحس ما تبقى من قطرات الدم وتزمجر.
- 8 -
أبوذر يرسم على الجدار فاكهة ونهراً، ثم يتخيل شمساً رائعة تقتحم عزلته وتسرى في نسغه، فيغتبط، ويلهو مع أغنية شقية تتراقص و تتراكض في أرجاء المكان. ويركض خلفها وهو يضحك. يمسكها بنعومة ويدخل فيها وتدخل فيه ويتمرغان في اللحظة المدهشة. تقدم له نبيذاً عذباً، فيقول لها: ((اشهدي تحولات عالم جن في أمسية ضبابية) ) ثم يطلب منها أن تصغي إلى وصاياه العديدة، وأن تكون ملهمته في السويعات التي تغفو فيها المدائن.
- 9 -
وصلت إلى موقع لا ماء فيه ولا شجر. قابلت الضغينة والنجاسة، فهربت إلى موقع آخر ذي زغب منتشر بإتقان ـ هكذا حلمت ـ أقرأ فيه سفر الرؤيا وأتأمل بانبهار القديس مار جرجس وهو يطعن التنين برمحه الذهبي ـ هكذا تخيلت ـ ولكنني ألفيت نفسي أمام موقع يقطع فيه الملك أصابع الأطفال لكي لا يكبروا ويشهروا السلاح ضده، وكان الملك يهتف بين الحين والحين : ((هذا ما نصحني به كبير الكهنة) ). وهتفت بدوري : ((سوف أبتكر مهنة ذات آفاق لا تخبو ولا تكبو عند أول صدام مع تناقضات الأرض) ).
غرست سهم الجنون في قلب الصحراء ومشيت.
- 10 -
أباذر.. خذ جسدي وتدثر به، وامنحني تلك النجمة التي تضيء جبينك.

يناير 1977



 


هذا فرحي.. اغتالوه وهو طائر


بيني وبين الماء صحراء.
بيني وبين الماء صحراء وامرأة.
مجزرة كانت:
.. بين المقهى والمقهى قتيل جائع
.. مقصلة تمضغ رأس طفلة.
.. حشرجة يخنقها طمي وروث.
وأيقنت ـ حينئذ ـ إنني نهر عاجز، فنزعت رداء الطفولة، وأخذت أرقص على إيقاعات السلام الملكي.
يا امرأة أخاف صمتها، قولي ماذا كنت تفعلين في ذلك اليوم الممطر، وأنت عارية ؟
لقطة متوسطة: قطرات مطر عنيفة تنهمر على حمامة ميتة.
لقطة قريبة : نهد ملوث بوحل ودم.
بيني وبين الماء صحراء وامرأة مقتولة.
يا صحراء تحتضن الأعداء والسجون والكلاب ومؤسسات الإبادة
ـ قال طفلي إما أن ترضعيني لبناً أو التهم ثديك الذابل، فخرجت أبحث..
ـ أنا أيضاً خرجت أبحث..
ـ لم أجد لبناً. وجدت ملصقات وإعلانات.
ـ كانت مسجونة في قفص، وأحياناً يعرضونها في السيرك وفي البرلمانات.
ـ قال الصغير : سوف أموت. ثم تأوه..
ـ قال الصديق : العنف باب الأبجدية.
بيني وبين الماء صحراء وامرأة مقتولة ينبغي دفنها. وأنا ظمآن، والرفاق، وهذه الصحراء.. لا تشعريني بالوحدة. قولي ماذا كنت تفعلين في ذلك اليوم الممطر وأنت عارية.. هل تذكرين ؟.. رأيتك متكئة على الجدار المشرف على الانهيار. ظننتك نائمة ولكنك كنت مطعونة في الخاصرة، ونهدك الأيمن في الوحل.
حملتك برفق يا أمي.
1975



العــــواء


توقفنا عند حدود الكلمات المنطوقة والمهربة، فوجدنا أنه لا توجد همسة أو صرخة أو صدى في كل قواميس اللغات إلا ومارسناها.. عندئذ صمتنا. كنا في مقهى، نتبادل النظرات والأبجديات المألوفة وقرع الكؤوس.
أردت أن أقول: (لنكتشف لغة أخرى بلون أحداق الشمس).. ولكنني لم أقل. فتش أحد الأصدقاء تحت الطاولة وفي أحداق الجرسون، عن مخبر أو آلة تسجيل. ثم قال بعد تردد: (سوف أقرأ لكم منشوراً سرياً).. وقرأ : كانت هناك غيمة مشطورة نصفين. نصف ماء ونصف برق. جاء السلطان، شرب الماء واعتقل البرق.
صمت الصديق ثم أردف: (ألا تسمعون عواء الغيمة في ليالي الفصول الساكنة ؟ ).. وفجأة قفز كهل لا أعرفه فوق طاولتنا وأخذ يتلوى ويئن ويقفز بكل ما يملك من عنف وحقد وألم، وحين تعب توقف وقال : هذه رقصة بدوي أنهكه البحث عن خيمة وعشب.
خرجت وحدي. كان ليل وبرد وصمت و.. صوت. صوت يأتي. يأتي مترنحاً. يقترب. يتضح الصوت. كان عواء، اخترق طبلة الأذن ولم يغادر. فزعت وركضت والعواء ما زال يسكن الأذن. ثم، بقوة مجهولة، أغلقت الأذن. أغلقت الباب، فمات الصوت. بين اللهاث واللهاث مسافة بحجم عصر من الهزيمة والهروب.
في الغرفة، في الجدار، في المرآة.. امرأة. أشتهيك يا امرأة كانت في الماضي تدعى الحبيبة. هاهي عروقي تنتصب. أدخل فيك، في المرآة، في الجدار، في الغرفة. ماذا يدعونك الآن ؟.. تعالي، لنعزف تقاسيم الخيبة والضجر والموت المشترك، نفترش الرمل المتوهج بالشهوة والدم، نقتل بعضنا، نأكل بعضنا، ولتكن هياكلنا طعماً للأطفال الذين يأكلون أحذية آبائهم. تعالي يا حبيبة كانت، وحبيبة ما زالت.
***
باب كبير يفتح، أدخل، اللون الأبيض يغمر كل شيء: الأشجار، التراب، الهواء. ضباب شفاف يدور حولي. امرأة بيضاء قادمة نحوي، يغمرني فرح أبيض. إنها هي.. قادمة، لا تمشي ولا تطير، تقف قبالتي. نمشي. هناك أرجوحة، تبتسم فابتسم، نتأرجح.. وفجأة تصرخ.
1973

النافذة

ويأمرها السيد بأن تكنس الغرفة مرة أخرى، فتحتج صامتة لأن الغرفة نظيفة ولأن هذا مجرد عذر لكي يتطلع إلى جسمها الجميل.
تفتح النافذة ـ بعد أن يخرج السيد ـ تصافح الهواء الذي يستقبلها بضحكة عذبة.
ـ تطيرين ؟.
يضحك الطفل: عم تتحدثين ؟
فتقول له : سوف تمرض إذا لم تأكل..
يهز الطفل رأسه : لست جائعاً ولم أمرض قط..
تقول : ولكن الموت..
يضحك عالياً..
تسأله : لماذا تفتح فكيك هكذا وتطلق هذا الصوت الغريب ؟
يجيبها بدهشة : أنا أضحك.
ثم يجري بعيداً عنها.
تحاول أن تفعل مثله. تفتح فكيها، وتدفع صوتاً ممزقاً من صدرها.
- ماذا تفعلين ؟
تغلق النافذة بسرعة. كان السيد يتأمل ظهرها.
تنبحين كالكلبة.
يقترب منها. تلتصق بالنافذة. يقترب أكثر.
في المساء، بعد أن تأكدت من أن السيد نائم، خرجت من القصر حافية. مشت صوب النهر القريب. وهناك تعرت وهمست في أذن النهر وهي تعانقه : (كن رفيقاً هذه الليلة). يحتضنها النهر : (ما زلت نقية(
كان الجوع يرمقها بنظرات وحشية. وكانت هي تحدق في السيد الذي يلتهم اللحم بشراهة. يعض الجوع جنبها وهو يقول: (أريد طعاماً) يقهقه السيد: (أنت جميلة هكذا(
يأخذها الهواء. يلوح بيديه صوب: الفجر الأبيض الذي يلثم جبين الأفق. اللعب. رجل يخيط قميصاً ويرتديه. الحب. المرأة ترش الأرض ماء وبذورا. الشجرة تثمر تفاحاً بلون المطر. قطة نائمة على صدر فضاء يرسل بين الحين والحين نجمة أو قمراً.. للإضاءة. الدفء .
تمشي. وفجأة يقف أمامها السيد: ((انزعي حذائي. قبلي أظافر رجلي. العقي أصابعي. أدخليه في جوفك.. جوفك كهف لا أفهمه ولا أريد أن أفهمه. هاك أسناني. نظفيها جيداً. دائماً أراك تصلين. لماذا ؟ لمن تتوجهين ؟.. آه. الخوف. تخافين.. هذا أفضل) ).
يتحسس النهر يدها، يتمتم : أحياناً أفكر في أن أرثى لحالك، ولكنني لا أفعل لأنني أدرك أنه في امكانك تغيير ما يحدث. هل فكرت يوماً في تسلق جسدي، لكي تصلي إلى الضفة الأخرى ؟
تجيب: فكرت كثيراً، وفي كل مرة أقول: هل هو الوقت المسافر الذي لم يعلن عن موعد رجوعه، أم أنه الوقت الذي ينتظر بين الأهداب ؟
تنظر في عين السيد. تخبره بأنها تنوي ترك العمل.
يصرخ السيد بعد أن أطلق قهقهة صاخبة:
- أنت غبية ياسيدتي الجميلة، غبية تماماً. ألا تدركين أن خروجك يعني موتي. أنا لا أريد أن أموت. هل تفهمين ؟..امسحي حذائي يا قذرة. العقي جسدي كله. امضغي رائحتي لئلا تموتي تحت الغبار والطين. وجودك يعني أني سيد هذا القصر.. سيد العالم.. بدونك لا أكون سيداً. هل تفهمين ؟
تقف أمام النافذة، لكنها لا تفتح النافذة.
1975

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق