الاثنين، 22 ديسمبر 2014

خطوط على الحائط و ثلاث قصص أخرى - خوليو كورتاثار






للكاتب و المفكر و المترجم الأرجنتيني خوليو كورتاثار

  Julio Florencio Cortázar Descotte (1914-1984)






 حكاية بلا مغزى- ترجمة : أحمد يماني


كان ثمة رجل يبيع صرخات وكلمات، وكانت تجارته رابحة، رغم التقائه أناسًا كثيرين يساومون في السعر ويطلبون تخفيضًا. كان الرجل يقبل دومًا وهكذا تمكن من بيع العديد من الصيحات إلى باعة متجولين وبعض التنهدات التي تشتريها سيدات من ذوات الأملاك وكلمات تصلح كهتافات وشعارات وعناوين وأفكار زائفة.

أخيرًا عرف الرجل أن الوقت قد حان وطلب لقاء طاغية البلاد، والذي يشبه جميع زملائه، وقد استقبله محاطًا بالجنرالات والأمناء وفناجين القهوة: قال الرجل: جئت لأبيع لك كلماتك الأخيرة، إنها بالغة الأهمية لأنها لن تخرج منك قط بشكل طيب في حينها، وفي المقابل من الملائم لك أن تقولها ساعة الاحتضار القاسي، كي تشكل بسهولة مصيرًا تاريخيًا وتذكاريًا.

- ترجم لي ما يقوله أمر الطاغية مترجمه.
- إنه يتحدث بالأرجنتينية، فخامتكم.
- بالأرجنتينية؟! ولماذا لا أفهم شيئا؟!
- لقد فهمت جيدًا قال الرجل - أكرر- أنني جئت لأبيع لك كلماتك الأخيرة.


وقف الطاغية على قدميه كما يحدث عادة في مثل هذه الظروف، وكاظمًا رعشة أمر بإلقاء القبض على الرجل وحبسه في زنزانة خاصة دائما ما توجد في هذه الأجواء الحكومية.
- يا للأسف- قال الرجل بينما كانوا يحملونه- في الحقيقة إنك ستود أن تقول هذه الكلمات حين يأتي الأجل، وستحتاج لقولها من أجل أن تشكل بسهولة مصيرا تاريخيا وتذكاريا. ما كنت سأبيعه لك هو ما ستود أن تقوله، فلا يوجد غش إذن، ولكن بما أنك لم تقبل الاتفاق وبما أنك لن تتعلم مقدمًا تلك الكلمات فحينما تحين اللحظة التي ستود فيها الكلمات أن تنبثق للمرة الأولى وبشكل طبيعي فإنك لن تتمكن من النطق بها.

- لماذا لن أتمكن من النطق بها، إذا كانت ما يجب علي قوله؟ تساءل الطاغية وأمامه فنجان آخر من القهوة.

- لأن الخوف لن يسمح لك- قال الرجل بحزن: لأن حبلاً سيكون حول عنقك ومرتديًا قميصا ترتعش من الرعب والبرد، وسوف تصطك أسنانك ولن تستطيع أن تنطق بكلمة. الجلاد والحضور، بينهم سيكون بعض هؤلاء السادة، سينتظرون دقيقتين لياقة، لكن عندما يخرج من فمك فقط أنين متقطع جراء الشهقة وتضرع استغفارا (لأن هذا ستتمكن من نطقه من دون جهد) سيفرغ صبرهم وسيقومون بشنقك.

أحاط الحاضرون بالطاغية وهم جد غاضبين وخصوصا الجنرالات وطلبوا منه إطلاق النار على الرجل في الحال. لكن الطاغية، وكان شاحبًا كالموت، طردهم بفظاظة واختلى بالرجل كي يشتري منه كلماته الأخيرة.

في الوقت نفسه، فإن الجنرالات والأمناء، المذلّين تماما من هذه المعاملة، أعدوا العدة للانقلاب عليه وفي الصباح التالي قبضوا على الطاغية بينما كان يأكل عنبًا في استراحته المفضلة. وكي لا يتمكن من نطق كلماته الأخيرة قاموا بقتله في الحال بإطلاق رصاصة عليه. بعد ذلك شرعوا في البحث عن الرجل الذي كان قد اختفى من مقر الحكومة، وسرعان ما وجدوه، فقد كان يتمشى في السوق بائعًا إعلانات للبهلوانات. وضعوه في سيارة الشرطة وحملوه إلى القلعة وقاموا بتعذيبه كي يكشف عن الكلمات التي كانت من الممكن أن تكون الأخيرة للطاغية. وبما أنهم لم يتحصلوا على أي اعتراف منه فقد قاموا بقتله ركلاً.

الباعة الجائلون الذين كانوا قد اشتروا صرخات منه ظلوا يصرخون في الزوايا، إحدى تلك الصرخات صارت بعد ذلك كلمة سر للثورة المضادة التي أنهت حكم الجنرالات والأمناء. البعض منهم، قبل أن يموت، فكر مضطربًا أنه في الحقيقة كل ذلك كان سلسلة خرقاء من الارتباكات وأن الكلمات والصرخات كانت في الواقع شيئا يمكن أن يباع ولكن لا يشترى، وإن كان يبدو ذلك عبثيا.

طال التحلل الجميع، الطاغية والرجل والجنرالات والأمناء، لكن الصرخات ظلت تتردد بين الحين والآخر في الزوايا.





لوكاس في المستشفى- ترجمة : د. طلعت شاهين




لأن المستشفي التي دخلها لوكاس من ذات النجوم الخمسة، فالمرضي دائماً علي حق، وعندما يطلبون أشياء مستحيلة، يقال لهم بأنه ليست هناك مشكلة، الممرضات جميعهن باسمات ودائماً يجبن بنعم علي كل الطلبات التي تطلب منهن.
لم يكن مستحيلاً تلبية طلبات الرجل السمين الذي يقطن الغرفة رقم 12، الذي يعاني من تليف في الكبد، ويطلب زجاجة من الجن كل ثلاث ساعات، بل إن الممرضات كن يجبنه بسعادة وحب شديدين، نعم، لم لا، بالطبع، وعندما هبط لوكاس إلي الصالة، لأنهم كانوا يقومون بتهوية غرفته، اكتشف باقة من زهور الأقحوان في صالة الانتظار، فطلب بخجل شديد أن يأخذ اقحوانة إلي غرفته لتلطف جوها.
بعد أن وضع الزهرة علي مائدة الأباجورة، ضغط لوكاس علي مفتاح الجرس، وطلب كوباً من الماء ليضع الاقحوانة في مكانها المناسب، ما إن احضروا الكوب ووضعوا الاقحوانة فيه، انتبه لوكاس إلي أن مائدة الأباجورة مزدحمة بالزجاجات، والمجلات، والسجائر، وبطاقات البريد، بطريقة تتطلب معها امكانية وضع منضدة قريبة من السرير، تسمح للوكاس بالاستمتاع بوجود الاقحوانة دون حاجة إلي مط رقبته للبحث عنها بين الأشياء المختلفة المتزايدة علي مائدة الأباجورة.
أجابت الممرضة ما طلبه علي الفور، ووضعت الكوب والاقحوانة في الزاوية المفضلة، مما أدي إلي أن يوجه لوكاس إليها الشكر، وانتبه بعد ذلك إلي أن كثيراً من الأصدقاء سيأتون لزيارته، وأن المقاعد قليلة، ويجب استغلال وجود المنضدة وإضافة مقعدين أو ثلاثة، بمساند مريحة، وخلق جو أكثر مرحاً للأحاديث.
جاءت الممرضات بالمقاعد بسرعة، قال لوكاس لهن إنه يشعر بأنه مجبر نحو أصدقائه مثلما هن مجبرات علي مشاركته في كأس المرارة، وهو السبب الذي يجعل المنضدة في حاجة إلي مفرش يتحمل وضع زجاجات الويسكي ونصف دستة من الأكواب، وبالطبع امكانية وضع سطح زجاجي وإناء للثلج وزجاجة صودا، انتشرت الفتيات للبحث عن الأشياء المطلوبة ووضعنها علي المنضدة بشكل فني، وأتاحت الفرصة للوكاس أن يشير إلي أن وضع الأكواب والزجاجات يفقد الاقحوانة رونقها، لأنها ستضيع بين الأشياء الموضوعة، ولو أن الحل بسيط جداً، لأن الشيء الحقيقي الذي ينقص هذا الجمال هو دولاب لحفظ الملابس، والأحذية، المعلقة بخشونة علي المشجب، ويكفي وضع الاقحوانة علي الدولاب حتي يمكن للزهرة أن تسيطر علي جو المكان، وتعطي له السعادة وبعض الأسرار التي هي رمز النقاهة.

بأمانة العمل في المستشفي ودون التجاوز عن حدود الواقع، حملت الفتيات دولاباً كبيراً، ووضعن عليه الاقحوانة كعين ثملة بالفرح ومليئة بالحلم، تسلقت الممرضات الدولاب لوضع بعض الماء النظيف في الكوب، حينئذ أغلق لوكاس عينيه وقال إن كل شيء في مكانه، وأنه سيحاول أن ينام، ما إن أغلقن الباب، حتي نهض لوكاس، ونزع الأقحوانة وألقاها من النافذة، لأنها لم تكن الزهرة التي يحبها بشكل خاص.




خطوط اليد - ترجمة : أحمد يماني

من رسالة ملقاة على الطاولة يخرج خط يمر عبر لوح الصنوبر ويهبط عبر ساق.
يكفي النظر جيدًا لاكتشاف أن الخط يمضي عبر الأرضية الخشبية، يرتفع إلى السور، يدخل في صورة تستنسخ لوحة لـ «بوشيه»، يرسم ظهر امرأة مستلقية على الأريكة وأخيرا يهرب من الغرفة عبر السقف وينحدر في سلسلة مانعة الصواعق حتى الشارع.
من الصعب ملاحقته هناك بسبب حركة المرور، ولكن ببعض الانتباه سيرى صاعدًا عجلة الحافلة المتوقفة في الزاوية والتي تحمل الناس إلى الميناء.
هناك يهبط عبر الجورب النايلون الكريستالي للمسافرة الأكثر شقرة، يدخل في منطقة الجمارك المعادية، ينحدر ويتعرج ويزحف حتى الرصيف الكبير وهناك (لكن من الصعب رؤيته، فقط الفئران تتابعه للصعود على ظهره) يصعد إلى سفينة التوربينات الهادرة، يمضي عبر سطح الطلاء من الدرجة الأولى، يجتاز بصعوبة فتحة السفينة الأكبر المؤدية إلى الأسفل وفي إحدى المقصورات، حيث يجلس رجل حزين يستمع إلى صفارة الرحيل، يرتفع عبر خياطة البنطال، عبر السترة المطرزة، ينزلق حتى الكوع وبجهد أخير يأوي إلى كف اليد اليمنى، والتي في تلك اللحظة تبدأ في الانغلاق على مقبض المسدس.





خطوطٌ على الحائط - ترجمة : عيسى مخلوف


(  إلى أنطوني تابياس )

ثمة أشياء عدةٌ تبدأ، و ربما تنتهي، و كأنها لعب. أعتقد أنك شعرتَ بالرضا عندما وجدت ذلك الرسم بالقرب من رسمكَ. و لقد نسبتهُ، للولهةِ الأولى، إلى مصادفة أو إلى نزوة . و لم تفطن إلا في المرةِ الثانيةِ إلى أن الرسمَ وجد هنا عمداً. حينئذٍ نظرتَ إليه بإنتباه، حتى أنك عُدتَ لتراه من جديد، متخذاً الحيطة اللازمة : تنظر إلى الشارع في لحظته الأكثر توحداً، حين لا تكون عربة المساجين رابضةً عند تقاطع الطرق . تتقدمُ بلا مبالاةٍ , و لا تنظر أبداً إلى الخطوط المرسومة على الحائط إلا من الرصيف المقابل و بطريقةٍ غير مباشرة، موحياً بأن إهتمامكَ ينصبُ على الواجهةِ المحاذية. و لا تتمهلُ في المكان ، بل تمضي بسرعة .

لعبتك هذه بدأت رداً على ضجرٍ ما، ولم تكن وليدة احتجاجٍ على ظروف المدينة، و على منع المتجول و حظر تعليق ملصقات أو الكتابةِ على الحيطان ( تحت طائلةِ التهديد ) . بالنسبةِ إليك، كان الرسمُ بالطبشور الملونِ مجرد تسلية ( اصطلاح " تخطيط جداري" لم يكن يعجبك لإرتباطه الوثيق بالنقد )، و كذلك مجيئتك بين الفينةِ و الفينة، إلى المكانِ ذاته لرؤية رسومك، أو إذا شاءت الصدفة ، لمشاهدةِ وصولِ شاحنةِ البلدية وسماعِ شتائم الموظفين أثنائ انكبابهم على إزالة هذه الرسوم . هؤلاء ماكان يهمهم فحوى المرسوم ، حتى إذا تجرأ أحد الأطفال و رسم بيتاً أو كلباً، فإن رسمهُ يلاقي المصير نفسه وسط الشتائمِ و التهديد. في المدينة، لم يعد يُعرف جيداً من أيةِ جهةٍ يأتي الخوف . من أجل ذلك ، ربما ، كان يروق لك أن تسيطر على خوفك، و أن تختار، من حينٍ لآخر، المكان المناسب و الساعةَ المناسبة للرسم .

أبداً لم تُعرض نفسكَ للخطر لأنك تعرفُ كيف تختارُ الظرفَ الملائم. و في اللحظة التي تسبق وصول شاحنات البلدية كان ينفتح أمامك ماهو أشبهُ بمدى أكثرُ بياضاً، حيث ثمةَ متسعٌ للأمل. و فيما كنت تنظر إلى رسمك من بعيد، كان بمستطاعك رؤية الناس كيف يعبرون من أمامه و يلتفتون إليه. لا أحد كان يتوقف في مكانه، طبعاً، لا أحد إلا وكان يُلقي نظرةً عابرةً علة الرسم الذي يكون أحياناً تأليفاً تجريدياً سريعاً بلونين ، أو شكلاً جانبياً لعصفور ، أو صورةً لوجهين مندمجيّن. مرةً واحدة، فقط، كتبت بطبشورةٍ سوداء العبارةَ الآتية : " هذا ما يؤلمني أنا أيضاً ". و لم تمضِ ساعتانِ فقط حتى جاءت الشرطة بنفسها و أخفت أثر العبارة عن الحائط. بعد هذه الحادثة تابعت الرسم رونما حاجةٍ إلى الكلمات.

عندما ظهر الرسم الآخر إلى جانب رسمك، أحسست بشيء من الخوف، فجأةً أصبح الخطر مضاعفاً. هناكَ شخصٌ آخر، مثلك، يتلهى عند حافةِ السجن، أو ماهو أسوأ من السجن. قد يكون ذلك الشخص امرأة. لكنكَ لا تستطيعُ أن تؤكد ذلك ، حتى إذا كان الرسم مختلفاً و أكثر إتقاناً من المحاولات الناجحة: خط، تفضيلُ للألوان الحارة، هالة. قد يكون تخيُلكَ لإمرأةٍ وراء هذا الرسم تعويضاً عن فراغٍ، خاصةً أنكَ تعيشُ وحدك. أُعجبتَ بها، خِفتَ عليها، تمنيت لو تكون هذا المرة هي المرةَ الأخيرة، لكن حين عاودتَ الرسم إلى جانب أحد رسومك ، شعرتَ بالغدر و بميلٍ إلى الضحك، إلى البقاءِ جامداً أمام الرسم كما لو كان رجال الشرطةِ عُمّياً و سذجاً.

هنا، بدأت زمن آخر مختلف، أكثر سرية، أكثر جمالاً و تهديداً في آن. متهاوناً في عملك، كنت تخرجُ في أيةِ لحظةٍ على أملِ أن تفاجئها. كأمكنةِ البصر. تعود إليها فجراً، مساءَ، أو في وسط الليل. كان زمن تناقضات لا تُحتمل. إنها خيبةُ الأمل التي يولدها العثور على رسم جديد لها إلى جانب أحد رسومك و الشارع أكثر خواءً أيضاً . ذات مساء ، عثرت للمرةِ الأولى على رسمٍ منفردٍ لها ، نفذته بطبشورٍ أحمرَ و أزرق على باب مرآب مستفيدة من ألواحِ الخشبِ و رؤوس المسامير. كانت في الرسم أكثر من أي وقتٍ مضى. خطوطها نفسها، ألوانها، لكن أكثر من ذلك، شعرتُ أن في هذا الرسم أمراً ، تساؤلاً، طريقةً في مناداتك و التواصلِ معك. رجعت إلى المكان عند الفجر بعدما كانت الدوريةُ قد تفرقت، و على الجزء الآخر رسمتَ بحركةٍ سريعة، مشهداً بحرياً، مع أشرعةٍ و أرصفةَ مرفأ. إذا لم تره العين بدقة، بدا المشهد تلاعب خطوط إتخذت شكلاً بالمصادفة. إنما هي ستعرفُ كيفَ تراه. بالكاد نجوتَ تلك الليلةِ من دورية الشرطة، و في حجرتكَ إحتسيتَ كأساً تلو الأخرى من الجِن، و تكلمتَ معها، قلت لها كل ماوردَ على لسانك، كأن قولك رسمٌ آخرُ صارِخ، مرفأ آخر و أشرعة. تخيلتها سمراء و صامتة، اخترت لها شفتين و نهدين، في تلك الليلةِ أحببتها قليلاً .

لم تمضِ برهةٌ من الوقتِ حتى خالجكَ الشعورُ بأنها، هي أيضاً، قد تكون قيد البحث عن جواب, و تعود لرؤيةِ رسومها مثلما تعود أنت، الآن، إلى رسومك، و رغمِ تزايد الخطر في كل مرة، لا سيما بعد الإعتداءات الأخيرة في السوق، كنتَ تُخاطر بنفسك و تقتربُ من المرآب، تجول حول مجموعةٍ من البيوت، تحتسي قناني البيرةَ في المقهى الذي عند الزاوية. لكن ذلك بلا جدوى، لأنها بالتأكيد لن تتوقف لترى رسمك، و أيةُ امرأةٍ من اللواتي يعبرن في هذا المكان قد تكون هي.

في فجر اليوم التالي، إخترتَ حائطاً رمادياً كبيراً رسمتَ عليه مثلثاً أبيضَ مُحاطاً بلطخاتٍ كورقِ حَوْر. من مقهى الزاويةِ ذاته، كنتَ تستطيع مراقبةَ الحائط ( لقد أزالو كل أثرٍ عن بابِ المرآبِ و الدوريّة الغاضبة الهائجة تروحُ و تجيء). عند المساء، ابتعدتَ قليلاً دون أن تفارق نظراتك المكان، و من جهاتٍ مختلفة. تنتقلُ من موقعٍ إلى آخر، تشتري أشياءَ بسيطة من المحلات حتى لا تُلفِتَ الإنتباه. كان الوقتُ ليلاً عندما سمعت صفارةَ الإنذار و إكتسحت وجهَكَ أضواءٌ كاشفة. كان ثمّة تجمُّعٌ غامض بالقربِ من الحائطِ الكبير، رحت تركُضُ نحوه، بلا حذَر و لا دراية. وحدها المصادفةُ أنقذتك. إذ أن في اللحظة بالذات وجدتَ نفسك أمام سيارةٍ عند زاويةِ الشارع تُحاول الرجوع إلى الوراء، و يوفقها سائقها فجأةً عندما تطالعهُ عربةُ المجانين. وقاكَ صندوق السيارة. و هكذا كان بإمكانك مشاهدة العراك: شعرٌ أسود تشُدهُ أيادٍ أُلبست قفازاً، رَكْل، صراخ, ثم تلمحُ بنطالاً أزرق قبل أن يرموها في العربة و يخطفوها.

بعد مضي وقت طويل (كان أمراً فظيعاً أن ترتعد إلى هذا الحدّ، و أن تُفكّر أن رسمكَ على الحائط الرمادي هو السبب فيما حدث) اختلطتَ بأناس آخرين و توصَّلتَ إلى أن ترى رسماً بالأزرق، و هذه الخطوط البرتقالية اللون التي بَدَتْ كأنها حروف اسمها أو فمها. إنها كلها هنا في هذا الرسم الناقص الذي محا نصفهُ رجال الشرطةِ قبل أن يسوقوها إلى سياراتهم ... ستدركُ يوماً أنها كانت تريد أن تُجيب على الثلث الذي رسمتهُ أنتَ، برسمٍ آخر:
دائرةً أو شكلٌ لولبيّ ربما، شكلٌ جميلٌ و ممتلئ، شيءٌ أشبه بـ"نعم"، أو بـ"دائماً"، أو بـ"الآن".

كنت تعرف جيداً أن أمامكَ المزيد من الوقت لكي تتخيل ماكان يحصل داخل السجن المركزي. الأخبار تتفشى في المدينة شيئاً فشيئاً، هؤلاء، كانو يتمنون لو لم يروهم قط، و لو يَضيعون، مثل غالبية الناس، في هذا الصمت الذي لا يجرؤ أحدٌ على خرقه. كنتَ تُدركُ ذلك تماماً. في الليلة، لم تكن كؤوس الجنّ لتساعدك إلا على عض يديك و دوسِ الطبشور الملّون بقدميكَ قبل أن تغرق في السُّكرِ و تجهشَ بالبكاء.

نعم، أمّا الأيام فكانت تمر و أنت لا تعرف كيف تغير حياتك: تركت عملكَ من جديد لتهيم على وجهك و تدور في الشوارع، و تنظر خلسةً إلى الجدران و الأبوابِ حيث رسمتَ أنت. كل شيء كان نظيفاً، كل شيءٍ أبيض، لا شيء، حتى لازهرة رسمها التلميذ البريء الذي يسرق الطبشور من صفه و لا يستطيع أن يقاوم إغراء استعمالها. أنتَ، نفسكَ، لم تستطع أن تقاوم هذا الإغراء، و بعد مرور شهر، نهضتَ فجراً و عدتَ إلى حيثُ المرآب. لم يكن هُناك دوريّات. الحيطان كانت نظيفةً تماماً. ثمة هرّ نظر إليك بمكر من تحت رواق عندما سحبت الطبشور. وقفتَ في الموضع نفسه حيث تركتّ رسمها، ورحت تملأ ألواحَ الخشبِ بصرخةٍ خضراء  و مناداةٍ حمراء، عرفاناً للجميل و حبّاً. ثم عمدتّ إلى إحاطةِ رسمك بشكلٍ بيضويّ يمثل أيضاً فمها و فمُكَ الأمل. تسمعُ صدى خطواتٍ عنج تقاطع الشارع تجعَلُكَ تنطلِقُ في ركضٍ صامت لتحتمي وراء كومةِ سلال قصبٍ فارغة. كان هناكَ رجل ثمِل يتقدمُ مترنحاً، أراد أن يركل هراً، فسقط على قِبالة رسمك. أمّا أنت، فذهبتَ مطمئناً. عند إطلالةِ الشمس، استسلمتَ إلى نوم لم تعرف مثلهُ منذُ زمنٍ طويل.

في آخر الصباح، عدت إلى المكان نفسه لتنظر من بعيد: ما يزالُ الرسمُ قائماً و لم يمحهُ أحد. عُدتَ ظهراً. لم تصدق عيناكَ أن الرسمُ مازال في مكانه. الإضطرابات في الضواحي ( كما ورد في الأخبار) كانت تُبعد الدوريات عن القيام بمهمتها المعتادةَ داخِل المدينة. مساءً، عدت لتراه مثلما رآه، على إمتدادِ النهار، عددٌ كبير من الناس، إنتظرت حتى الثالثة صباحاً لتعود، كان الشارع خالياً و أسود. من بعيد، لمحت الرسم الآخر. اكتشفتهُ. و ليس سواك من يستطيع أن يميزَ هذا الرسم لكثرة ماهو صغير، إلى أعلى رسمك من جهةِ اليسار. فأقتربت و أنت تشعر بشيءٍ من العطش و الرعبِ في آن. رأيت الشكل البيضويّ البرتقالي و لطخاتٍ بنفسجية، كأن الوجه متورماً يظهر أمامكَ من خلال الرسم، كأنها عينٌ معلّقةٌ و شفتانِ هشمتهما اللطمات.

أعرف، أعرف، لكن ما بإستطاعتي أن أرسم لك غير مارسمت؟ أيةُ رسالةٍ يبقى لها معنى الآن؟ عليّ أن أقول لك بطريقةٍ ما، وداعاً، طالباً منك، في الآن نفسه، الإستمرار. عليّ أن أترك لك شيئاً ما قبل أن أُقفل راجعاً إلى ملجأي حيثُ لم يعد هناكَ مرآةُ واحدة. لا شيءَ سوى حفرةٌ أختبىئ فيها حتى النهاية و في الظلمةِ الكاملة، متذكراً أشياء كثيرة، و أحياناً متخيلاً - تماماً كما تخيلتَ حياتك- أنك ترسمين، تخرجين ليلاً، و على الحيطان تضعينَ رسومكِ الجديدة.