الأحد، 3 أغسطس 2014

مونولوج كلب عالقٌ بالتاريخ -وقصيدتان


فيسوافا شيمبورسكا

شاعرة إيرلندية
ترجمة : هاتف الجنابي




مونولوج كلب عالق بالتاريخ

ثمة كلاب وكلاب. أنا كنتُ كلبا مصطفى.
كانت لديّ أوراق صالحة وفي عروقي دم ذئبيّ.
سكنتُ على مرتفع، كنتُ أتنفس روائح المناظر
المطلة على المرج في الشمس، على الصنوبر بعد المطر
والتربة من تحت الثلج.

كان لدي بيت معتبر وناس في خدمتي
كنتُ مغذى، مُحَمّما، ومُمَشّطا،
يُخرجونني لنزهات جميلة.
لكن باحترام، وبدون كلفةٍ.
كل واحد كان يتذكر جيدا، كلبَ مَنْ أنا.


كلّ هجين وغد بإمكانه امتلاكَ صاحب.
لكنْ حذار – من التجاسر على المقارنات.
فسيدي كان فريدا من نوعه.
كان لديه قطيع ضخم يمشي خلفه متتبعا خطاه
مُغرما به بإعجاب حذر.

كلها بالنسبة لي كانت مسخرات
بحسدٍ مُبَطّن ٍ على نحو رديء.
لأنني أنا فقط من كان له الحق
في استقباله بقفزات هوائية،
أنا فقط مَنْ يُودّعه – ويجرجره بعضّات ٍ من سرواله.
كان يُسْمَحُ لي فقط
ورأسي على ركبتيه
أن أبلغ ملاطفته وجرّ الأذن.
أنا فقط مَنْ كان يُمكنه التظاهر بالنوم جنبه،
وحينئذ كان ينحني ويهمس لي بشيء ما.
طالما كان يغضب وبصوتٍ عال ٍ على الآخرين.
كان يزمجر، يصيح بهم،
يروح ويجيء من الحائط للحائط،
أعتقد أنه كان يحبني فقط
ولا أكثر من ذلك بتاتا، لا أحد.

كانت عليّ واجبات أيضا: الانتظار والثقة.
لأنه كان يظهر لفترة وجيزة ثم يختفي بعدها طويلا.
ما الذي كان يستوقفه هناك، في الأودية، لا أدري.
مع ذلك خمّنتُ، أنها قضايا ملحة،
على الأقل ملحة كالمعركة
مع القطط بالنسبة لي
وكل ما هو يتحرك بلا داعي.

هناك حظ وحظ. حظي تبدل فجأة.
حلّ ربيع ما،
ولم يكن هو قربي.
نشبَ في البيت اهتياج غريب.
أقفاص، حقائب، وصناديق حشرتْ في السيارات،
تحرّكتِ العجلاتُ وهي تصِرّ نحو الأسفل
وصمتتْ وراء المنعطف.

احترق عفشٌ ما على الطارمة، خِرَقٌ،
وبُلوزاتٌ صفراءُ، أشرطة بعلامات سوداء
وكثير، كثير جدا من علب الكارتون الممزقة،
حيث تساقطت منها اللافتات

حلمتُ في خضمّ هذه الفوضى
منذهلا أكثر منه مستاء
أحسستُ بنظرات غير ودية على وبري،
كما لو كنتُ كلبا سائبا،
شريدا مزعجا،
يُطرَدُ من على السلالم بالمكنسة.

ثمة مَنْ فسخ طوقي المرصّعَ بالفضة.
ثمة من ركل صحني الفارغَ منذ عدة أيام.
وبعدها، آخرُ واحد، قبل أن ينطلق في طريقه،
أخْرَجَ رأسَه من المركبة
ورَماني بطلقتين.

حتى أنه لم يعرف كيف يصيب، كما ينبغي،
لأنني متّ ببطء وألم
وسط طنين الذباب الوقح.
أنا كلبُ صاحبي.



السماء
من هنا كان ينبغي البدء: من السماء
نافذة بلا عتبة، بلا إطار، بلا زجاج.
فتحة ولا شيء سواها،
غير أنها مشرعة على اتساعها.
لستُ مضطرةً لأنْ أنتظر ليلة رائقة،
ولا أنْ أمدّ رأسي إلى أعلى
كي أُبصِرَ السماء.
السماء خلف ظهري، تحت يديّ وفوق الجفون.
السماء تلفّني بإحكام
وترفعني من الأسفل.
حتى أعلى الجبال
هي ليست أقرب إلى السماء
من الوديان السحيقة.
ليست هي في مكان أكثر
منها في آخر.
الغيمةُ على حد سواء بلا رحمة
مطوحّة كقبر في السماء.
الخُلد على حدّ سواء مرفوع
مثل بومة متمايلة بجناحيها.
الشيء الذي يسقط في الهاوية،
يسقط من السماء إلى السماء.
مذرورة، سيّالة، صخرية،
مضطرمة ومتطايرة
رُقَعُ السماء، دقائقُ السماء،
نفثاتُ السماء، وكِدَسُها.
السماءُ كليةُ الحضور
حتى في العتمة تحت الجلد.
آكلُ سماءً، أُفْرغُ سماء.
أنا شرَكٌ في شرك،
ساكنٌ مسكون،
احتضانٌ محضون،
سؤالٌ في جواب على سؤال.
القسمةُ على أرض وسماء
ليست طريقة مناسبة
للتفكير بهذا الكل.
هي تسمح لي أنْ أعيشَ وحسب
بعنوان أكثر دقة،
أسرعَ على العثور عليه،
فيما لو كنتُ مطلوبة.
علاماتي الفارقة
الجذلُ واليأس.

أبتكر العالم 

أبتكر العالم ، الطبعة الثانية ،
الطبعة الثانية ، منقحة ،
للبلهاء الضحك ،
للكئيبين البكاء ،
للصلعاء المشط ،
للكلب الحذاء.
**    
هو ذا فصل :
لغة الحيوان و النبات ،
حيث لكل صنف
عندك قاموس مناسب
حتى عبارة صباح الخير البسيطة
المتبادلة مع السمكة
تعوزكم في الحياة
أنت ، السمكة  و الجميع.

**   
ارتجال الغابة !
هذا ،المحسوس قديما ،
فجأة في يقظة الكلمات
هذه ملحمة البوم !
هذه خواطر القنفذ ،
تؤلف حينما نكون واثقين ،
بأنه لا شيء سوى نومه !

**  
الوقت ( الفصل الثاني )
له الحق بالتدخل ،
في كل شيء ، سيئا كان أو خيرا ،
لكن – هذا الذي يفتت الجبال ،
الحاضر عند دورة النجوم ،
لن تكون له أية سلطة
على عاشقين ، لأنهما عاريان تماما ،
لأنها متعانقان تماما ، بروح
وجلة مثل عصفور على الكتف .

** 
الشيخوخة مجرد منقبة أخلاقية
مقارنة بحياة المجرم .
أوه ، إذن فالكل هم شباب !
المعاناة ( الفصل الثالث )
هي لا تهين الجسد ، الموت ،
حينما تنام ، يجيء.

**  
 ستحلم ،
بأنه لا ضرورة لكي تتنفس ،
و أن الصمت بلا تنفس
موسيقى مقبولة ،
و أنك صغير كشرارة
و تنطفئ في المدرج الموسيقي .

**  
الموت فقط هكذا ، كنت تتألم
كثيرا و أنت تمسك الورد باليد
و كنت تحس بذعر أكبر
و أنت ترى البتلة قد سقطت على الأرض.

**  
العالم فقط هكذا، أن تعيش هكذا
فقط. و تموت فقط بهذا القدر ،
و كل ما عداه – هو مثل ( باخ )
يعزف لحظة
على منشار.