المقدس مسروداً
هوامش أولية حول تجربة أولية
محمود تراوري
- روائي و قاص و صحافي سعودي
له ثلاث روايات " ميمونة، أخضر ياعود القنا، جيرانُ زمزم"
و عدة مجموعات قصصية
- قدم هذه الورقة ضمن فعالية "تجارب روائية"
المصاحبة لمعرض الكتاب الدولي بالرياض 2015م
الثلاثاء 10/ 3 / 2015م
إذا أردت سماع التسجيل الصوتي لهذا المنشور بصوت محمود تراوري من خلال موقع soundcloud
" بفعل الدور الذي كان لها ، بسبب إشعاعها الديني، وجاذبية الحج إليها، الذي بقدر ما هو فريضة دينية، بقدر ما يمثل لأهالي مكة مناسبة لملتقى ثقافي واجتماعي واقتصادي عالمي اكسب المكان كل الأبعاد في تقاطعه مع الزمن فكان أن تقاطعت في مكة وسائر حركة التاريخ في مستوياتها الثلاثة:
مستوى الثبات والديمومة في الجغرافية التاريخية،
ومستوى التطور الهادئ والبطيء في البُنَى الحضارية والثقافية،
هكذا كان يتحدث وجيه كوثراني ، وهو يتناول تأثير مكة المكرمة في كتابات مفكري النهضة الكواكبي مثالاً ،
رأى في جغرافية مكة التاريخية ترابط حلقات المكان المقدس منذ السيرة الإبراهيمية الأولى إلى إعادة السيرة مجددة في الرسالة النبوية الإسلامية، فكانت تطيب "المجاورة" للعديد ممن قصد الحج والعمرة للمكان المقدس، وكأنّ في المجاورة محاولة بشرية دائمة لتثبيت المسار الزمني في ديمومة من الذكرى التي تحيا في ذاكرة مجاور شاء أن يوحد الجغرافية والتاريخ أي أن يجمع المسافات الزمنية والمكانية الكبرى والطويلة في مدى عمر قصير يجري فيه التأمل والانفلات من عبء الدنيا ورتابة التاريخ القصير.
في حيز ذاك التقاطع أيضاً يتجلى بعد التطور والتحول في نطاق ما أسماه ابن خلدون "طبائع العمران" في الاجتماع البشري الذي هو"علم التاريخ" فتقرأ على مدار المراحل التاريخية وتقلباتها مسار القوافل والطرقات وألوان البشر وسلعهم وأفكارهم وعاداتهم وألسنتهم كل عام، فيدخل الحج والعمرة أدب الرحلات من باب المعرفة التاريخية وحوار الحضارات والثقافات وينشأ بذلك أدب كبير وجم عن عالم الشعوب والأقوام والقبائل والأسر والفرق والمذاهب والطوائف والاقتصاديات وعلاقات التبادل. إنّه البعد الحضاري في الزمن التاريخي، وهو البعد الذي أطلق عليه الكواكبي تعبير "الإسلامية" في كتاباته وإذا كان لهذا التعبير من مبرر اصطلاحي لدى الكواكبي فهو للإشارة إلى نعت التاريخ والحضارة والجغرافية البشرية حيث عمّ الإسلام، لا إلى نعت الدين بذاته كجوهر مطلق..
في حيز هذا التقاطع ذي الأبعاد الثلاثة للمكان: الثابت في القدسية، والمتحول في الحضارة والتاريخ، والمتغير بسرعة في وتيرة السياسات والسلطات، تقوم الكتابة التي هي قراءة أولاً وقبل كل شيء، بمهمتين مترابطتين ، أهمها في تقديري مهمة الوصف والتحليل والفهم عملاً بالمفهوم القرآني ﴿اقرأ﴾.
ومن هذا المنطلق والإطار يمكن أن ابدد الحرج الذي تلبسني حين دعيت للمشاركة هنا ، والمثول بين ايديكم ، إذ اقنعت نفسي أن لدي تجربة ما ، ككل مكي .
قد يتساءل أحدكم ، لماذا مكي ؟
يذكربركهارت أو جون لويس بركهارت رحالة ومؤرخ سويسري
في كتابه (رحلات في شبه الجزيرة العربية):
"أن مجتمع مكة ، كون عاداته الاجتماعية من عدد كبير من العادات والتقاليد التي جاءته من مختلف انحاء العالم ، ولم تتوفر في أي مجتمع غير مجتمع مكة ، ما منح هذا المجتمع خاصية اجتماعية فريدة " .
هذه الفرادة دفعت الدكتور سلطان القحطاني إلى تدوينها ملاحظا أنها تمثلت في ثقافة خاصة تذوب فيها الفوارق الاجتماعية السائدة في بقية اقطار الجزيرة العربية ، فالمجتمع استطاع بقعل الدين الواحد أن يصهر مجموعة من الثقافات في ثقافة واحدة ، كونتها الوحدة الاسلامية ، ثم اتحدت في بيئة اجتماعية واحدة ، ما جعل المكي يعرف بمكيته ، قبل أن يعرف بعرقه وقبيلته ، ولم ينف ذلك الانتماء ، لكنه انتماء غير مبالغ فيه ، كما هو في عدد من المدن والأقاليم المغلقة . انتهى كلام الدكتور سلطان الذي نشره ضمن بحثه ( تشكيل عادات المجتمع المكي في الفن السردي ) ونشر في كتاب مكة المكرمة الجمال والجلال بمناسبة مكة عاصمة للثقافة الاسلامية عام 2005 ، وهو يتقاطع هنا مع ما يقوله الدكتور حسين المناصرة (تبدو البيئة المكية بيئة منفتحة حضاريا ، وخاصة في ضوء تعددية الأعراق فيها ، بحيث تغدو هذه الحالة الانفتاحية في الثقافة الاجتماعية أحد الأسباب في تطور الرواية السعودية من خلال هذه البيئة تحديدا ، إذ الرواية تحتاج إلى انفتاح في الحياة الاجتماعية )
" جماليات تشكيل مكة المكرمة في ذاكرة السارد "
أول رواية سعودية مكتملة العناصر الفنية ، انطلقت من مكة وهي رواية
"ثمن التضحية " لحامد دمنهوري
عوالم وكرنفالات لايمكن أبدا أن تمحوها الذاكرة ، إلا إن الغيت الكتابة ، أو توقف الزمان .
فضاء واسع أسس مجتمعا على مستوى المادة ، فبالضرورة أن يؤسس واقعاً كتابياً مشغولاً بالفن .
فن قوامه كل أشكال السرد من مسرح وقصة ورواية ، رافده الوعي بكيف نحيل بهاء الواقع إلى فن أبهى !! .
فالكتابة العالية المتجاوزة قرينة المدن الضاجة بالحركة والحياة والناس والحلم والتنوع .
وهذا ما تتيحه مكة وتوفره لنا ككتاب بما لن توفره أي مدينة أخرى في الجزيرة ، ولا أتردد في أن أقول
العالم
وإذا كانت مكة تتيح لنا كل هذا فما الذي يتيحه لنا الفن والمناخ ؟ !
حتى لا نقع في فخ حنين مبتذل أو انتحاب كتابي ممجوج ؟
هذا هو السؤال الشاهق الذي نحاذر ونحن نمر بالكتابة عبر مكة .
فنظرة واحدة لما تبقى من شموخ جبالها يجعلك تتهيب الكتابة .
لتمارسها بخفر لا يعادله سوى ذلك الخفر القديم الذي تتذكره وقت أن كنت تسرب جسدك الصغير من بين كثافة جموع الحجيج لتختلس قبلة ضافية من الحجر الأسود ، وتمضي راكضا صوب أقرانك الفتيان ، مختالا بأنك قبلت الحجر الأسود رغم كل ذلك الزحام .
لوحة عابرة من فسيفساء طويلة تمتد بامتداد الزمان والحلم المكي الذي لمَ الناس ليتعارفوا ويتآلفوا ويقدموا للإنسانية نموذجاً مشرقاً لماهية كيف تتأسس المجتمعات بصدق وتتشكل الحضارة دون اعتبار لحسابات مادية تقوم على منطق الربح والخسارة
في مدينة كمكة لا تستطيع أن تعبر أزقتها التي تشبه الفرح دون أن تستحضر ما تشيعه من بهاء اجتماعي ظل متماسكا عبر الدهور ، لأنه يحقق معجزة ربانية لم يلتفت إليها – في ظني - بحثا ودراسة حتى الآن ، حين ينصهر الناس الآتون من أسلاف متباينين فكرا وثقافة وتاريخا اجتماعيا في قدحٍ واحدٍ كبير ، يمنحهم عذوبةً وجمالاً وجلالاً قل مثيله .
وعندما تفور داخلك حمم الكتابة ، كيف يمكنك أن تغض الطرف عن هذا البهاء !!
ومن جلالها تغترف ..عندما ألحت عليَ تجربة كتابة الرواية ، كنت واقعا تحت تأثير
( تدوين ) مدينتي مكة ، التي كنت أراها تتقاصي عما فتحت عيني عليه ، من حيث مظهريها المادي ، و الإنساني . كانت - نتيجة استحقاقات تنموية لوفرة السبيعنيات الاقتصادية - تتقاصى بصورة تحدث غربة بين من اعتاد حتى التهامس مع الأشياء عن الأشياء والتاريخ والناس والمعجزة والقداسة والارتحالات والمحبة والمجاورة والفرح الطازج والأشواق الحميمة ، والانتماء لمكة فقط ، وفق نسق كوزومبوليتي ( متعدد الأعراق ومتنوع الثقافات ) بامتياز . شئ يشبه هذه الغربة مسني . فهجست بكتابة:
" تقول مكة التي في روحي " .
كمدينة من مدن التاريخ الهيابة التي لاتخلع شخصيتها بسذاجة ، وتؤمن أن تاريخ المدن المادي هو الذي يجعلها شاهدا على عراقتها .
صارت الفكرة تشتد عليَ إلحاحاً كلما كانت شخصية مكة العمرانية تختلف ، وتكاد رائحتها القديمة تنأى بعيداً . بيقينٍ عميق كنت أرى مكة المدينة الوحيدة في العالم التي لها رائحة .
أو كأن روائح مدن العالم أجمع لا تتجمع إلا في مكة لتفضي إلى رائحة شديدة الخصوصية !!
هكذا كنت ، وهكذا قررت الذهاب إلى حقل مترع بالألغام اسمه ( الرواية ) .
ولكني دخلت في مأزق ، تذكرت أني لم اقرأ ما كتب عن مكة !!
لأني عرفتها معايشة وحياة ، لم أعرفها عن طريق الكتب ، كنت أخمن أن الكتب لا تقول مكة كما هي ، فأنصرفت عنها .
وفي لجة التحول السريع ما بين تشظى الأحلام وانكسارات الذاكرة ، غادرت عقدي الثاني من العمر ،- بداية التسعينات- فجوبهت باختلال خطير في طبيعة المجتمع المكي ، تفشت نعرة هزت النسيج السكاني بانسجامه الذي فتحنا أعيننا عليه .
بدأت الناس تلتفت لأصولها العرقية ، معظمهم هبوا في سعار يحركه اللاوعي ، ملقين بهوية مكة التي جمعتهم كمعجزة سماوية ، وبدءوا يبحثون عن جذورهم وأصولهم،
حننت إلى زمن وضاء يفيض نبلاً كوجهِ امرأةٍ من (السراة ) أرضعتني وبقيت أمي حتى اللحظة ، بعد أن آخت أمي الحقيقية زهاء نصف قرن في جيرة أخآذة ، في زمنٍ كان فيه الانتماء لمكة ، وكانت القلوب فيه مشرقةً بالحب . جمعت تشوقي لما كتب عن مكة مع إحساسٍ ممضٍ بالغربة ، والتهمت كثيرا مما كتب عن مكة تاريخاً وادباً ورحلات ، وفكاهةً وجغرافيا ولوعة ، حتى ضج رأسي بمكة .
في بدايات 96 م جلست في حضرة كراسة متوثبة ، كناسك أوجعته الصبابة ، أمسك قلم رصاص مرتعش بين أصابع لم تكن مرتعشة ، وبدم حار يفور في عروق الكتابة ، غير أني بوغِتُّ بمأزقٍ ثانٍ وهو ( كيف أُقَولِني ما تَجمعَ في روحي ؟ ) .
لم أشأ أن أكون تسجيلياً ، فذلك سردٌ له مختصوه ، ولم أكن راغباً في تقديمي وثائقيا لأني لا أحبذ الندب الذي بالضرورة ينتج تقريرية وفجاجة .
وجدتني في ( المدينة المنورة ) ..
منها انطلقت متخففا ربما من سطوة مكة ورهابها !!
رأيتني تهيبت مكة ولم أدخلها ، وحين دخلتها كنت مختلسا عابراً ، أشمها من بعيد و أَفِرُّ ملقياً بالشخوص على التخوم في جدة والطائف وتلك الضواحي الواقفة على نار بأطراف مكة .
فكانت ( ميمونة ) رواية تهيبت مكة ، ولكنها من وحيها بنت عوالمها ، ومازال الخيط يمتد للإمام ، ومن جلال مكة يغترف .
المكان هو ما يصوغ الفرد. فكيف إن كان لهذا المكان حمولةً لا حد لها من المقدس ، والأسطوري حد الرعب!
رعب أن تنمو، وهو يتقلص ، حد التلاشي.
تلاش لا تجد مبرراً له، أو هكذا يبدو لك ، وأنت تنمو.
لا استطيع أن أتجاهل أننا كنا محظوظين أن نمونا بمكانٍ، كان مؤئلا للبهجة، بل لا أتحرج في الجهر بأنه كان صانعاً لها .
كل شئ في الدروب والممرات كان مدنيا ، يغري على الفرح.
أدركت شيئاً من امتدادات هذا الفرح في مدينة من حلم وبهجة ومقدس وحب، لم تعد تستند إلى قداستها فحسب ، وإنما إلى هيبة ما تمنح من نفحات نورانية.
أن تفتح عينيك على وجوه النساء في الشارع والحرم ، يعني أن تنشأ مٌبرأً من فوبيا وجه المرأة وضجيج الاختلاط.
أن تنشأ وأذنك تسمع لغات ولهجات الحجيج ،يعني أن ينفتح وعيك على ماهية الإنسان وسنة الله في التعدد وحتمية التنوع ، فتغدو متسامحاً، ترنو للتطلع من كل النوافذ.
كل هذا يثري روحك ويغذي تجربتك بالتأكيد. لتوقن أخيرا أن
( الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره ، وكيف يتذكره ليرويه)
كما يقول عمنا ماركيز.
كثيرا ما تسلقت جبال مكة ..
سففت ترابها في نمرة والمحصب ..
تمرغت في ( حصوة ) الحرم ..
سرّبتُ إلى نسوغ جسدي قطرات زمزمها ، وعندما كبرت استحال كل ذلك إلى كلمات وجمل تفاقمت وهمت على الورق قصصاً ومقالات و رواية ، وقت أن اتسعت حدقتا عيني فلم تبصر الا القليل .. القليل مما تبقى من مكة ،
( وكلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة ) .
تبدلت ملامحها .. نعم .
لكني أكتب بيقين أنها باقية في الحنايا ..
فما تسرب إلى لحم الذاكرة وكون بنيانها لا يمكن أن ينمحي .
الروح والذاكرة عامرتان بمكة .
مكة الحقول في أطرافها قبل أن تستحيل إلى تراب وحقول اسمنت ..
الزيما والحسينية والعابدية ووادي فاطمة وجعرانة والمغمس ونعمان والعكيشية .
مكة المقاهي الصغيرة والحميمة تتناثر في احضان الحارات ،
تلم أشجان شيوخها في عصار يملؤنها صراخاً محباً " أهجد يا وااااد " ،
وترفو شقاوة فتيانها ، ولحن فتياتها وهن يصدحن ( يا مطرة حطي.. حطي ... ) .
مكة ( الطِيَقْ) والرواشين والمرازيب تسيل ماءً ينعش ما ران من سموم خانق يحبنا ونحبه .
مكة الشوارع المحبة وهي تفيض بالناس الذين لبوا نداء الحج .
فتعمر بالباعة الصغار .. يؤسسون ( بسطات ) الحليب والشاهي ،
والمسابح والطواقي وشرائط ملونة ،
والأشياء الصغيرة تتيه في الأيدي مرفوقة بأناشيد ( هديتك يا حاج )
مكة الخٌلّيف .. والركب والرجبية والعاشورية والرحماني والشعبنة و (قيسنا يا قيس)
، سيدي محمود وستنا ميمونة
، سيدي محمود وستنا ميمونة
مكة ما غاب .. مكة ما لم يؤرخ ،
ولكن يمكن أن يكون فناً ،
يمكن أن يكون فناً .

شركة تنظيف بالبخار بالرياض
ردحذفشركة ركن الروان هي شركة تنظيف بالبخار بالرياض تقوم بتنظيف كل شئ داخل الشقق والمنازل من الالف الي الياء مثل تنظيف المفروشات وتنظيف الموكيت وتنظيف الكنب كذلك هناك متخصصين في تنظيف مجالس بالرياض لتتشرف عند استقبالك للضيوف في اي وقت
ونضمن لكم عدم وقوع اي اضرار او تلف ولكن تحصلون علي اروع الخدمات ,وبأرخص الاسعار بالسعودية والرياض
تنظيف مجالس بالرياض
اتصل بنا علي 0537006883
http://www.hvofny.com/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%81-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6/