السبت، 16 أغسطس 2014

نافذة على جسدِ راقص



"إنني أحس بواسطة الجسد لا بواسطة الروح "
                               فازلاف  نجنسكي



في إحدى فصول كتاب اللامنتمي تحدث كولون ولسون عن راقص البالية " نجنسكي " وتحديدًا فصل ( محاولة اللامنتمي لكسب السيطرة على الجسد )
كنموذج لللامنتمي الذي يحارب تلك المشكلة راقصا بإعتبار الرقص حالة من التعبير الذاتي الخروج منها يعني موتًا للروح ،ومسحًا لذاته لذلك يولد الراقص بإنفعالاته بإعتبارها ثقلاً هامًا لإستشعار وجوده المادي ..

الاثنين، 4 أغسطس 2014

بوهيميٌ يعوي في وجهِ مولوخ الإسمنت


بوهيميٌ يعوي في وجهِ مولوخ الإسمنت
إضاءة : حول سيرة آلن غينسبيرغ



*قصيدة عواء





أيّ أبي هولٍ من الإسمنت والألمنيوم شظّى جماجمهَم وافترس أدمغتهم ومخيّلاتهم؟
مولوخ*1 ؛ عزلةٌ! قذارةٌ! بشاعةٌ! براميلُ قمامة ودولاراتٌ بعيدةُ المنال!
أطفالٌ يزعقون تحت السلالم!
صبية ينشجون في الجيوش , شيوخٌ ينتحبون في المنتزهات!
مولوخ! مولوخ! كابوس مولوخ!
مولوخ سيّد البغضاء!
مولوخ الفكري!
مولوخ قاضي البشر الصارم!
مولوخ السجن العصيّ على الخيال!
مولوخ الحبس الشاقّ بعلامة الموت ذي العظمتين المتقاطعتين وكونغرس المآسي!
مولوخ الذي مبانيه يوم الدينونة!
مولوخ الحجر الضخم للحرب!
مولوخ الحكومات المصعوقة!
مولوخ الذي عقله آلية خالصة!
مولوخ الذي دمُهُ مالٌ جارٍ!
مولوخ الذي أصابعه عشرة جيوش!
مولوخ الذي صدره دينامو آكلٌ لحومِ البشر!
مولوخ الذي أذنُهُ قبرٌ يعلوه الدخان!
مولوخ الذي عيونه ألف نافذة عمياء!
مولوخ الذي ناطحات سحابه تنتصبُ في الشوارع المديدة كعدد لانهائي من يهوه! مولوخ الذي مصانعه تحلم وتنعق في الضباب!
مولوخ الذي مداخنه وهوائياته تتوّج المدن!
مولوخ الذي ولعه نفط وحجر بلا نهاية!
مولوخ الذي روحه كهرباء ومصارف!
مولوخ الذي فقره شبح العبقرية!
مولوخ الذي قدره سحابة من الهيدروجين لا جنس لها!
مولوخ الذي اسمه العقل!
مولوخ الذي فيه أقبع وحيداً!
مولوخ الذي فيه أحلم بملائكة
مصروع في مولوخ!
مصّاص الذكور في مولوخ!
محروم الحبّ ومخنّث في مولوخ
مولوخ الذي باكراً اقتحم روحي!
مولوخ الذي أنا فيه وعي بلا جسد!
مولوخ الذي أرعبني وصدّني عن نشوتي الطبيعية!
مولوخ الذي أهجره! أصحو في مولوخ!
نور يشعّ من السماء
مولوخ.. مولوخ.. شقق رّبوطات.. ضواحي لامرئية.. كنوز هياكل عظمية
رساميل عمياء..صناعات شيطانية..أمم وهمية.. مستشفيات مجانين محصّنة!
 أعضاء ذكوريّة من الغرانيت! قنابل مَهُولة!
قصموا ظهورهم رافعين مولوخ إلى السماء!
 أرصفة، أشجار، راديوات، أطنان!
 رافعين المدينة إلى السماء التي تدوام على وجودها وتحيطنا من كل حدب وصوب
رؤى..تكّهنات..هلوسات..معجزات..نشوات..غاصتْ في النهر الأميركي
أحلام..عبادات.. إشراقات..ديانات..حمولة المركب كلها من القذارات الحسّاسة
اختراقات! على طول النهر.. تشقلبات وحوادث صَلْب..غرقتْ في الطوفان
سَكَراتٌ! أعيادُ غطاس! حالاتُ يأسٍ!
 صرخاتٌ حيوانية وإنتحارات لعشر من السنوات!
 عقولٌ! غراميات جديدة..جيلٌ مجنون.. إنهواءً على صخور الزمن!
قهقهة مقدّسة حقيقية في النهر.. رأوها برمّتها!
العيون الوحشية..الصيحات المباركة.. قالوا الوداع. وثبوا من السقف..
إلى العزلة ملوحين!
حاملين زهوراً! هابطين إلى النهر! فالشارع*

الأحد، 3 أغسطس 2014

مونولوج كلب عالقٌ بالتاريخ -وقصيدتان


فيسوافا شيمبورسكا

شاعرة إيرلندية
ترجمة : هاتف الجنابي




مونولوج كلب عالق بالتاريخ

ثمة كلاب وكلاب. أنا كنتُ كلبا مصطفى.
كانت لديّ أوراق صالحة وفي عروقي دم ذئبيّ.
سكنتُ على مرتفع، كنتُ أتنفس روائح المناظر
المطلة على المرج في الشمس، على الصنوبر بعد المطر
والتربة من تحت الثلج.

كان لدي بيت معتبر وناس في خدمتي
كنتُ مغذى، مُحَمّما، ومُمَشّطا،
يُخرجونني لنزهات جميلة.
لكن باحترام، وبدون كلفةٍ.
كل واحد كان يتذكر جيدا، كلبَ مَنْ أنا.

السبت، 2 أغسطس 2014

داخل اللوحة.. خارج الزمن - قراءة تأملية في لوحة "الساعات الهلامية"

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif
داخل اللوحة.. خارج الزمن  






قراءة تأملية في لوحة سيلفادور دالي "الساعات الهلامية"
بقلم الشاعر : إبراهيم حسن طياش







حين أنظر إلى هذه اللوحة  ..
تستيقظ في مخيلتي آيات التأويل .. وتنقر على باب ذاكرتي ريشة موسيقية / مجنونة 
تخرج على إثـرها أحلامي  التي تسكنني في زوايا الخيال،والروح،والذاكرة ..

تخرج على إثرها ..
صور المخيلة التي تسكن العقل اللاواعي ، بهدوء ، تستقر تدريجياً لتتوسط العقل الواعي ..
صوراً سريالية ،متناقضة،أو متشابكة،أو مصفوفة، بشكل أو بآخر ..
تكمن فيها الطفولة بتفاصيلها الصغيرة المبعثرة ،والكبت المتشبث بستائر المراهقة ،
وحيرة التساؤلات المُلحّة  في فصل الشباب..
وكل ما يمر على تلك المحطة المهجورة في العقل.
 ففي كل إنسان جزء سريالي، يسكن في زاوية ما .. من عقله اللاشعوري -كما أعتقد-  
....
وحين أعود قليلاً من ذاتي إلى اللوحة التي تقف أمامي، تدور مخيلتي في دوامة من التساؤلات العاصفة ..!
..
هل خُــلـِـقـَـت الساعات إلا لتوضع كشامة ٍأو كــشهادة تقدير للزمن على حائط ما .. ؟
أو لتتدلى من سلسلة ذهبية .. ساعة يد قيمة ..في يد نبيل ْ؟
فلماذا هي في ذلك الركن الكئيب من الطبيعة 
تتماهى في ذبول وانسكاب على كل شيء صلب هناك ..!
 .. على تلك الشجرة وعلى تلك المنضدة ..
.. 
..وعلى ذلك الوجه البشري المشوّه الممد في الأسفل ،كرمز لإنسان فقط  كينونته 
واكتسى بزمن ٍ غائب  ..!

وتلك الساعة التي يهجم  عليها النمل  بشراسة جائع ..شَرِه ٍ..ما سرُها ؟!

وتلك الذبابة ..
التي بدأت تمتص في نهم دم الزمن ، وبجانب العقرب الأكبر  الساكن الذي لم يصل بعد 
إلى تمامه ..كيف تجرأت .. ؟!

حوارٌ صحفيٌ مفتعل مع ديستويفسكي








حوارٌ صحفيٌ مفتعل مع ديستويفسكي


ما سيردُ أدناهُ مأخوذٌ من ترجمة د. سامي الدروبي




وما الذي يمنع الناس من قتل أنفسهم في رأيك؟

لا أدري بعدُ على وجه اليقين. غير أن هناك وهمين شائعين يمنعاننا من ذلك..شيئين لا ثالث لهما ، أحدهما صغير جداً. والثاني كبير جداً. ولكن الصغير كبير أيضاً

-فما هو الصغير؟

الألم.

-الألم؟ أهو هام إلى هذا الحد. ..في مثل هذه الحالة؟

نعم، هام جداً. هناك فئتان من الناس: الذين ينتحرون بسبب عذاب كبير، أو ينتحرون غضباً، أو يكونون مجانين، أو ينتحرون لأي سبب آخر .. وهؤلاء ينتحرون فجأة. وهم لا يخطر ببالهم الألم كثيراً. ففي دقيقة واحدة ينتهي كل شيء. أما الذين يفكرون ، فهؤلاء يحسبون حساب الألم كثيراً.

-هل هناك أُناس ينتحرون وهم يفكرون؟

كثيرون جداً، ولولا الأوهام الشائعة، لكانوا أكثر، ولكان عددهم كبيراً جداً، ولكانوا كل الناس.
-كل الناس؟ حقاً؟

لم يجب بكلمة.

-ولكن أليس هناك وسيلة للانتحار بدون ألم؟

قال وهو يقف أمامي:

تخيل صخرة في حجم عمارة كبيرة. وتخيل أنها بارزة فوق الطريق وأنك تحتها. هل تحس بألم إذا هي سقطت على رأسك؟

-صخرة في حجم عمارة ؟ سوف أخاف طبعاً.

لا أتكلم عن خوفك, ولكن هل يمكن أن تشعر بألم إذا هي سقطت على رأسك؟

-صخرة كالجبل, وزنها مليون طن؟ لن أحس بشيء طبعاً.

ومع ذلك فإنك إذا وجدت في هذا الموقف ستظل تخاف من أن يصيبك ألم ، ما بقيت تحت الصخرة. وأكبر العلماء، وأعظم دهاقنة العلم ، سيخافون جميعاً.

-وما هو السبب الأساسي الأكبر؟

الحياة الآخرة .

-أي العقاب؟

العقاب ليس له شأن كبير. بل الحياة الآخرة . الحياة الآخرة  فقط.
-أليس هناك ملحدون لا يؤمنون بالحياة الآخرة ؟

إنها ليست الأندلس يا يسوع ..










إنها ليست الأندلس يا يسوع




سليم بركات
نشر المقال بملحق النهار الثقافي 5/12/2010م


في سنوات الإعدادية، بعد منتصف الستينات من القرن الماضي، حَوَت مدرستي تلميذين يهوديين. كان الدين، على أرض سوريا، موزعاً حصصاً، بتدريسه، على الإسلام والمسيحية. ما من دين ثالث. والنقلة، التي لا محيد عنها، من مرحلة الإعدادية إلى الثانوية، تقتضي عبور الامتحان في الدين. فما الذي كان متوجباً على هذين التلميذين اليهوديين أن يفعلا؟ تسامح الجغرافيا - الموطَّدة بالدين المختار، والعروبة المختارة نقاءً يُنْكِر أعراقاً أخرى، في أرض لم "تتكلم العربية" قبل الغزو العربي، وهي لا تتكلم، قط، إلاَّ لغةَ نَفْسِها ـ هذا التسامح الفريد خيَّر التلميذين في تقديم امتحانهما "الديني"، للعبور إلى الثانوية، بأحد الدينين: الإسلام، والمسيحية.


لم يكن لليهودي، في أرض سوريا، أن يحصل على جواز سفر. لم يكن في مستطاعه مغادرة مدينة إلى أخرى إلاَّ بإذن "المباحث" - جوهر الدولة مذ عرفنا الدولةَ خارجةً من مكرمات سايكس - بيكو. وكان على اليهودي، كي يَعْبُر الإمتحان إلى الثانوية، أن ينحدر بخاصيَّة يقينه إلى امتحان "المطهر" المزلزل: إستعارة دين الآخر. ولما بدا مجحفاً لخيالَيّ التلميذين اليهوديين أن يسندا صليب المسيح إلى جلجلة امتحانهما الديني، فقد قبلا دفع "الجزية" للإسلام، فاختارا تعاليم رسوله، وفقه مفسِّري كتبه، وآيات كتابه الموقوفة على الحفظ عن ظهر قلب.


كان تلاميذ الصف الواحد ينقسمون بحلول ساعة درس الدين: المسيحيون يجتمعون بمعلمهم، ذي الثوب الكهنوتي، في غرفة، والمسلمون في غرفة بجمعهم، المضاف إليه تلميذان يهوديان، طالما نقلنا أبصارنا إليهما حين يأخذهما "الحطُّ" في مقام يجهر اللسانُ الديني فيه بتوبيخ أسلافهما. حرب 1967، التي ربح فيها عبد الناصر، بالهزيمة، شعوباً تتضوّر ولهاً إلى الهزيمة في صورة زعيم "معبود"، أهالت غلبةَ الفخر بمنجزات الفتوح الكبرى على التاريخ. أُعيد الماضي راكضاً بين غرف المدرسة بأخبار دَحْر قبائل "المخادعين" شرقاً وغرباً، حتى استوى للهزيمة أن تنهض على قدمين من نصر كليّ.


لستُ أدري ماذا كان يعتمل في قلبَي هذين التلميذين، وفي خيالَي يقينهما المعتصَر بين درس الدين الإسلامي، وكتاب التاريخ "المدوِّخ" في كشوفه دسائسَ ملّةٍ ابتاعت عجْلاً ذهباً، وباعت الله - شذاذ الآفاق. لست أدري بأيّ نظرات كان أهل "الحي اليهودي" ينظرون، من حولهم، إلى الوجوه. لكن لم يحاصر أحدٌ كنيسَهم الوحيد في المدينة بدعوى حشدهم أسلحةً لتفتيت الدولة، بعد انتصار بني جلدتهم، كما ادّعى بعضٌ في كنائس أقباط مصر "تنبيهاً" منذراً بدسائس ملّة المسيح لاستجلاب الأجنبي الصليبي، إلى أرض الكنانة، هذه المرة.

طيفُ جمالٍ مراوغ يروح ويجيء فوق الهاوية - أنسي الحاج






شذرات من مقالات مُتفرقة 

القَدَر صَنَم.
الصنم لا يتزحزح، راسخ في الماءِ وفي الصخر.
الصنَم قَدَر.
الحبُّ أوركيديا حمراء تنبت على أنفِ الصنَم فجأةً وتذهبُ بوقارِ التمثال.
الحبّ عاصفةٌ تجنّ حول جميع الأصنام.
الحبّ قطارٌ يخرج عن سكّته ويصير طائراً.


الحبّ تصويبٌ للخلق.

****************

«أريد أن أراني كيف أكون وعيناي مغمضتان». عبارة للفيلسوف والروائي والمربّي الألماني جان بول (1763 _ 1825). من أبرز نظريّاته «الروح الجميلة». نقاء الذات، معارضة لأذى العالم، معتبراً هذا النقاء قاعدة لانبعاثٍ روحيّ يبتغي الوصول إلى «الإنسان الجديد». هذه النظريّة، وقد كان لها عظيم الأثر في الرومنتيكيّين وغيرهم، شعراء وموسيقيّين ومفكّرين (كشيلر وغوته ونوفاليس وهاندل وباخ وروسّو وكيركيغارد) تجاورت لديه مع نظريّات ومفاهيم بدت متناقضة، لكن عبقريّة جان بول ما لبثت أن واءمت بينها فالتقت على ضفاف رؤاه روحانيّة شفّافة سخيّة، ومشهدُ كونٍ بلا غاية ولا معنى، فريسة للخواء والفوضى، إنّما بلا تيئيس، بل بسخريةٍ ناعمة وأرستقراطيّة متعالية على المنغّصات.
يتحدّث جان بول عن أحلامه «الاختياريّة»، أو الإراديّة، وبينها منامات الطيران. يقول غاستون باشلار في كتابه «الهواء والأحلام _ دراسة حول مخيّلة الحركة»، إنّ جان بول، «عَبْر تمرّسه في إنتاج أحلامه وتوجيهها، يقرّر الحلم بالطيران وهو يستأنف الرقاد عند الصباح. إذاً، هي ليست منامات الليل الكامل». ويقول جان بول في كلامه على أحلامه: «هذا الطيران، وهو بين محوِّمٍ ومنطلق إلى أعلى، والذراعان تُخبّطان الريح كما تخبّط المجاذيف الموج، هذا الطيران هو للدماغ حمّامُ أثيرٍ حقيقيّ، لذيذ ومريح _ لولا أن الدَوَران الفائق السرعة لساعديّ الحلميّين يصيبني بالدوخة ويجعلني أتوجّس من احتقانٍ في الدماغ. لقد اتّفق لي فعلاً، وأنا مغمورٌ بالسعادة والغبطة جسداً وروحاً، أن أرتفع رأساً في السماء المنجّمة، مُرسلاً بأغنياتي التحيّة إلى صَرْح الكون».
كان جان بول يمضي بتحليقه طويلاً بحثاً عن «وجوه بَهيّة» ليقبّلها، وغالباً ما عَبَثاً يبحث، وحين يجد، يقول للوجوه المطلّة: «ها أنذا سأستيقظ، فتضمحلّين».

الجمعة، 1 أغسطس 2014

مساوئ كون الإنسان قد ولد - أميل سيوران








       ماذا يعني الصَلب مُقارنة بما يتحمله أي أَرِق كل يوم.؟!.

       أن تستيقظ صباحاً، تغتسل، ثم تنتظر تشكيلة طارئة من الفَزع أو الاكتئاب.

         سأعطي الكون كله وشكسبير مقابل ذرة طمأنينة.

       لا أحد عاش بالقرب من هيكله العظمي ، كما عشت أنا بقرب هيكلي.

      نحن نقول: ليس لديه موهبة,مزاج فقط. لكن المزاج على وجه التحديد هو ما لا يمكن أن يُبتكر-نحن نُولد به-، المزاج نِعمة موروثة.ميزة البعض منا أنهم يجعلون نبضنا العضوي محسوس، المزاج أكثر من موهبة، إنه خُلاصتها.

        ذُبابة فاكهة واعية؛ سيكون عليها أن تواجه المتاعب نفسها بالضبط، من نفس نوع مشاكل الإنسان المُستعصية.

      عندما تتيقن بشكل قاطع أن لا شيء حقيقي؛ لا يمكنك أن تفهم لمَ عليك أن تُثبت ذلك.

·         كلما زادت جٍراحك من الزمن، سعيت للهروب منه بكتابة صفحات لا عيوب فيها أو عبارات ترفعك فوق الوجود وفساده. تسمو فوق الموت عن طريق ملاحقة الغير قابل للتخريب في "الكلام"--أكبر رمز للبطلان.

      لا أحد مسؤول عن ما هو عليه ولا حتى عن ما يفعله.هذا جلي واضح والجميع يتفقون عليه بدرجات تزيد أو تنقص، أذن لماذا الاحتفال أو تشويه السُمعة؟ لأنه أن توجد يعني أن تُقيم، أن تُطلق الأحكام، ولأن الامتناع والحياد عندما لا يكون بتأثير اللامبالاة أوالجُبن؛ فإنه يتطلب جهداً لا يقدر عليه أحد.

      مهما كان عدد المحررين من الوهم، من المُستحيل العيش دون أي أمل على الإطلاق. نحن دائماً نحتفظ بواحد "عن غير قصد". وهذا الأمل اللاواعي يعوض عن جميع الآمال الظاهرة الاخرى التي رفضناها -مُنهكين-.

·         الإنسان الذي يخاف السُخرية ؛لن يذهب بعيداً، للأحسن أو الأسوأ، يبقى في جهة مواهبه، وحتى لو كان يملك عبقرية، فإنه محكوم عليه بالرداءة.

من الإعترافات السرية لسلفادور دالي


سلفادور دالي    

من الإعترافات السرية لدالي

ترجمة: أشرف أبوا






أنا، دالي، استهل كتابي باستغاثة موتي.


أراني لا أبتعد عن مغزى التناقض بين الأمرين، كي يفهم الجميع عبقرية الأصالة في رغبتي بالحياة.
فقد عشت مع الموت منذ اللحظة التي نما فيها وعيي بالتقاط أنفاسي، وظل الموت يقتلني دائما بشهوانية باردة، لا يتخطاها أبدا إلا شغفي الصافي في أن اختط حياتي وأعيشها في كل دقيقة، وكل ثانية مهما صغرت، على وعي تام بكوني حيا. هذا التوتر المستمر، العنيد، الهمجي، المفزع هو القصة كلها في مسألتي.
إن لعبتي الأسمى حي أن أتخيل نفسي ميتا، يأكلني الأود. أغلق عيني وبتفاصيل لا تصدق في دقتها التامة والوعرة، أراني أزدرى وأهضم في بطء بواسطة كم لعين من جحافل أود الأرض الضخم المخضر، ينهش لحمي يقيم في محجر عيني بعد أن يقرض العينين ويلقيهما بعيدا، ليبدأ في افتراس مخي بشراهة. أكاد أشعر _على لساني _كيف يسيل اللعاب فيستعذبه وهو يعضني. وتحت ضلوعي تجعل أنفاسي صدري منتفخا، بينما بفكها تحطم أنسجة رئتي الشفافة. يستريح قلبي قليلا، لإثبات وجوده وحسب، لأنه طالما خدمني بصدق، أراه مثل كعكة أسفنجية سمينة يتاخمها الصديد الذي يتفجر فجأة ويندفع داخل عجينة تزحف كأنها يرقات بيضاء مكتنزة. وهنا يصل بطني: عفن نتن ينقبض بقوة مثل فقاعة تملؤها جيفة، خليط روثي يحتشد من حياة استثنائية. وللمرة الأخيرة أطلق زفراتي، مثل بركان عجوز يبكي منتزعا من الحمم مصدعا في العظام مثخنا بالأود الذي يولم فوق نخاعي. كم أجد ذلك تدريبا رائعا أكرره كلما تذكرت العودة إليه.

الفصل الأخير من حياة النذل








من كتاب : ذاكرةِ النار .

إدواردو غاليانو


يعكس النهر وجه الرجل الذي يستنطقه.
-          " ماذا أفعل ببطلي؟ هل أقتله؟ ".
يرقص حذاؤه الضيّق المتدلي من الرصيف الحجري فوق نهر " كوادالكويفر" يمتلك هذا الرجل عادةً أن يهزّ قدميه حين يُفكر.
-          " يجب أن أقرّر. أنا الذي خلقته و جعلته ابن حلاّق وساحرة و ابن أخ جلاّد. توّجتهُ أميراً على العالم السُفليّ للقمل و الشحاذين و علافاً للمشنقة" .
تشعّ نظارته على المياه المتدرجة نحو الخضرة و تثبت على الأعماق حين يطلق أسئلته : " ماذا أفعل؟ علّمته أن يسرق الدجاج و يستدر الصدقات بإسم جراحِ المسيح. تعلّم مني الغش في لُعبةِ الطاولة و الورقِ و المبارزة. بفنوني أصبح دون جوان الراهبات و مهرجاً مشهوراً ".
يجعد فرانسيسكو دي كويفيدو أنفهُ ليجعل نظارته مرتفعةً إلى الأعلى : " إنه قراري و يجبُ أن أتخذه. لم يوجد أبداً روايةً في تاريخ الأدب  لم تحتو فصلاً أخيراً " .
يمد عنقهُ بإتجاهِ السفنِ التي تُخفض أشرعتها  و هي تقترب من أرصفة المرفأ.