الجمعة، 1 أغسطس 2014

الفصل الأخير من حياة النذل








من كتاب : ذاكرةِ النار .

إدواردو غاليانو


يعكس النهر وجه الرجل الذي يستنطقه.
-          " ماذا أفعل ببطلي؟ هل أقتله؟ ".
يرقص حذاؤه الضيّق المتدلي من الرصيف الحجري فوق نهر " كوادالكويفر" يمتلك هذا الرجل عادةً أن يهزّ قدميه حين يُفكر.
-          " يجب أن أقرّر. أنا الذي خلقته و جعلته ابن حلاّق وساحرة و ابن أخ جلاّد. توّجتهُ أميراً على العالم السُفليّ للقمل و الشحاذين و علافاً للمشنقة" .
تشعّ نظارته على المياه المتدرجة نحو الخضرة و تثبت على الأعماق حين يطلق أسئلته : " ماذا أفعل؟ علّمته أن يسرق الدجاج و يستدر الصدقات بإسم جراحِ المسيح. تعلّم مني الغش في لُعبةِ الطاولة و الورقِ و المبارزة. بفنوني أصبح دون جوان الراهبات و مهرجاً مشهوراً ".
يجعد فرانسيسكو دي كويفيدو أنفهُ ليجعل نظارته مرتفعةً إلى الأعلى : " إنه قراري و يجبُ أن أتخذه. لم يوجد أبداً روايةً في تاريخ الأدب  لم تحتو فصلاً أخيراً " .
يمد عنقهُ بإتجاهِ السفنِ التي تُخفض أشرعتها  و هي تقترب من أرصفة المرفأ.
-          " لم يعان أحد منه كما عانيت. ألم أجعل جوعه جوعي حين كانت معدتهُ تئنُ و حين لم يكن بوسع المستكشفين أنفسهم أن يعثروا على عينين في رأسه. إذاً كان يجب أن يموت دون بابلو، ينبغي أن أقتلهُ إنه مثلي، فلذة بقيت من ألسنةِ اللهب".
يحدقُ من بعيدٍ شابٌ رث الملابس بالسيد الذي يحكّ رأسهُ متكئاً فوق النهر. يقول الصبيُّ لنفسهِ : " لابد أنهُ عفريتٌ عجوز، فقريتٌ عجوزٌ مجنونٌ يحاولُ أن يصطادَ بدونِ سنارة ".
يقول كويفيدو في نفسه : " هل أقتله؟ ألا يعرف الجميع أن تحطيم المرايا يجلبُ النحس؟ هل أقتلهُ؟ لنفترض أنني جعلتُ الجريمة عقوبة عادلة لما أقترفه في حياتهِ الشريرة؟ سيكون حصةً صغيرةً للمفتشِ و رجالَ الرقابة. إن مجرّدَ التفكير بمتعتهم يلوي معدتي " .
يبدأ طيران النوارس. ترسو سفينةٌ قادمةٌ من أميركا. يقفز كوفيدو ماشياً. يتبعهُ الصبي مُقلداً مشيتهُ المتقوسة.

يتوهج وجهُ الكاتب. لقد عثر على ظهر السفينةِ على القدرِ الملائمِ لشخصيته؟ إنه سيرسل النذل دون بابلو إلى الآنديز. أين في غير أميركا يمكن أن تنتهي حياته ؟ أصبح لروايته خاتمةُ و هاهو يمشي شارداً في مدينة سيفيل هذه حيث يحلُم الرجالُ بالرحلات و النساء و بالعودة إلى الأوطان.