الخميس، 31 يوليو 2014

من يوميات مالته لأوريدس بريغه - الجزء الأول -









راينر ماريا ريلكـه
من يوميات مالته لأوريدس بريغه
الجزء الأول 


11 سبتمبر ، شارع تونيه

هكذا إذاً يأتي الناس ها هنا ليواصلوا الحياة ، لكنني أعتقد أنهم يموتون في هذا المكان . أنني طريدٌ منفي ، و رأيت المستشفيات. رأيت إنسانا ترنّح أولاً ثم انهار، فاجتمع الناس حوله، مما أراحني من رؤية النهاية . رأيت امرأةً حُبلى تجرجرُ جسدها بمحاذاة حائطٍ مرتفع دافئ ، تتحسسه أحياناً بيدها ، كما لو أنها تريد التأكد من أنها لم تزل بعد موجودة. نعم، إنها لم تزل موجودةً هنا. في الخلف؟
فتشت في خريطتي عن مستشفى الولادة. حسناً إذاً، إنها ستضع مولوداً، و هناك من يساعدها في هذا الأمر . فيما بعد يأتي شارع سان جاك، ثم مبنى كبير عليه قبّة. كشفت الخريطة أيضاً عن المستشفى العسكري، و هذا في الواقع مالا أرغب في معرفته، لكن ذلك لا يضير شيئاً. بدأت الجادة تبعث الروائح من الجهات جميعها، فطفقت برائحة صبغة اليود و دهون البطاطس المقلية و رائحة الخوف. المدن كلها لها رائحةٌ في الصيف. بعد ذلك لمحتُ منزلاً غريباً مُعتماً، لم يكن مرسوماً على الخريطة، بيد أن من الممكن قراءة رقعةٍ على بابه : ملجأٌ ليلي. و ثبتت إلى جانب المدخل قائمة أجور المبيت التي لم تكن مرتفعه.
و غير ذلك؟ طفلٌ صغير في عربةِ أطفال متوقفة. كان بديناً مخضوضراً و على جبهته طفحٌ جلدي بيّن، يبدو أنه تماثل للشفاء فلم تعد البثور تؤلمه. كان نائماً فاغر الفم يستنشق صبغة اليود و البطاطس المفرقعة بالسمنِ و الخوف. هكذا كان الأمر إذاً. المهم هو أن الإنسان يواصل الحياة، فذلك هو الأمر المهم.
إنني لا أستطيع أن أنام إلا عندما تكون النوافذ مُشرعة، حيث تسير الترامات الكهربائية حثيثةً متسارعةُ و ترن اجراسها في غرفتي، و تتخاطف المركباتُ من حولي. ثم ينصفق باب، في مكان ما اسمعُ صليل لوحٍ زجاجي و هو يرتطمُ و تضحك قطعةُ كبيرةٌ منه، بينما تُكركِر شظاياهُ الصغيرة. فجأةً ينطلقُ صخبٌ عميق محاصر في الناحية الثانية، من داخل المنزل. أحدٌ ما يصعد السلم، يتقدم و يتقدم بلا انقطاع. إنهُ هنا الآن، صار هنا منذ فترةٍ طويلة، انه يمرّ، ثم يأتي الشارع مرةٌ أُخرى . هناك صبيةٌ تصرخ ،
-          أغلق فمك، لا أريد أكثر من ..
و يندفعُ الترامُ منفعلاً متوتراً مارقاً إلى الأمام مُخترقاً كُلَ شيء. أحدٌ ما يصرخ، فيهرع الناس، يتخطون بعضهم. ثمة كلبٌ ينبح، يا للفتنه: إنه كلب. في الفجر يُسمع صياح الديك حتى، و هذا جميلٌ بلا حدود. بعد ذلك أغفو على حين غفلة.
هذا ما يتعلقُ بالضجيج و الأصوات، و لكن هناك شيء آخر اشدّ رعباً من الصخب ألا وهو : الصمـت.
اعتقد أن هناك لحظة توتر قصوى تحلّ أحيانا أثناء الحرائق الكبيرة، فيتدفق الماء ويهبطُ نحو الأسفل و يتوقف رجال الإطفاء عن التسلق، يقف الكُل دون حراك. فجأة تتخلخل دعامة في الأعلى و تتزحزحُ بصمت، ثم ينحني حائطٌ شاهق استعرت خلفه النار، فيقف الناس جميعهم و ينظرون عبر مناكبهم المرتفعة مقطبين الوجوه فوق عيونهم و منكمشين بفعل الصدمة الرهيبة. هذا هو الصمت هنا .
لقد تعلمت أن أرى، لكنني لا اعرف السر الذي يجعل الأشياء تخترقُ أعماقي و لا تلبث هناك حيث تكون النهاية عادةً. إن لي أغوار لا علم لي بها، و سيمضي كل شيءٍ إليها الآن. إنني لا علم لي بما يحدث هناك .
اليوم كتبت رسالة، خطر في ذهني حينها هو أنني لم أقض هنا سوى ثلاثة أسابيع. و يمكن أن تبدو الأسابيع الثلاثة يوماً واحداً في مكانٍ آخر كالريف مثلاً، لكنها هنا بمثابة أعوام. لذلك فإنني لا أريد أن أكتب رسالة.
ما هذا الذي يدفعني إلى تبليغ أحد ما بأنني قد تغيرت؟ و إذا ما تغيرت حقاً و أصبحت ليس ذاك الذي كنته قبلاً، بل شيئاً آخر مختلفاً، فسيكون واضحاً تماماً هو أنني أضحيتُ بلا أصحاب أو معارف، ذلك من الصعب أن أكتب رسائل إلى الناس الغرباء الذين لا يعرفونني .
هل نطقت بذلك؟ هل قلت أنني تعلمت أن أرى ؟ نعم، لابد أن ابدأ. مازال الأمر ليس جيداً تماماً ، لكنني أريد الاستفادة من الوقت. و هو أن وجوهاً كثيرةً فتلك مسألةٌ لم تصل إلى ذهني قط. هنالك قدرٌ وافرٌ من البشر، غير أن الوجوه أكثر وفرة، إذ أن كُل واحدٍ منهم يحملُ وجوهاً عديدة. من بينهم بشرٌ كانوا يحملون وجوههم أعواما طويلة، لكن الوجوه تبلى و تستهلك و تتسخ و تمتلئ بالتجاعيد و تتسع مثل قفازاتٍ يرتديها المرء في رحلةٍ طويلة. هناك بشرٌ بسطاء مقتصدون لا يسعون إلى تبديل وجوههم، حتى إنهم لم ينظفوها أو يجلوها مرةً واحدة، ثم إنهم يدعون أنها لم تزل جيدةً على نحوٍ كاف، فمت ذا الذي يستطيع أن يثبت العكس ؟
و الآن ينبثق السؤال : إذا كانت لهم وجوهٌ كثيرة، فما الذي يفعلونه بالوجوهِ الأُخرى ؟ إنهم بلا شك سيرفعونها. لابد أن يحملها أبناؤهم بدلاً منهم. لكن يحدث أحياناً أن تخرج كلابهم بوجوههم لتتجول بها. و لمَ لا؟ فالوجهُ هو الوجه.
هنالك أيضاً بشرٌ آخرون يرتدون وجوههم بتعجلٍ رهيب، واحداً تلو الآخر، إلى أن تبلى و تُستهلك. في البدء كانوا يظنون أنهم سيحملونها إلى الأبد، غير أنهم يصلون بالكادِ إلى سن الأربعين، فيجدون أنهم لم يحتفظوا إلا بوجهٍ واحدٍ أخير، وتلك في الواقع مأساةً كبيرة. فهم لم يعتادوا على الاعتناء بالوجوه، لذلك ترى وجههم الأخير يبلى بعد ثمانية أيام ويصبح مثقوباً في مواضع عديدةٍ و رقيقاً كالورق، و شيئاً فشيئاً تظهر القاعدة ، اللا وجه فيطيفون بها.
لكن المرأة ، نعم المرأة : كانت مستغرقةً في نفسها واضعةً وجهها فوق يديها. رأيت ذلك في منعطف جادة نوتردام دو شامب. بدأتُ أخطو على مهل، تماماً مثلما أبصرتها، إذ على المرء أن لا يزعج الناس المساكين عندما يفكرون، عسى أن يخطر في ذهنهم شيء ما. كانت الجادة خاليةً موحشة، أثار فراغها الضجر في الجادة نفسها، فسحب الضجر خُطاي من تحت قدميَّ وتجوّلَ بها كما لو أنها حذاءٌ من خشب. ارتعبت المرأة و استفاقت من استغراقها على نحوٍ عاجل لدرجةِ أن وجهها ظلّ عالقاً بيديها. استطعت أن ألمحهُ و هو يرقد في شكله المجوفِ الغائر . بذلتُ جهداً كبيراً لكي أثبت بصري على اليدين لعلّي  لا أبصر ما سيسقط منهما. إنني أرتعب من رؤية الوجه من الداخل، الا أن اشد ما يرعبني هو الرأس المنزوع الوجه. إنني أرتجفُ خوفاً ورهبةً أمام ذلك. على المرء أن يفعل شيئاً إزاء الخوف إذا ما سكنهُ ذات يوم. سيكون بشعاً جداً إذا ما تعرض الإنسان هنا إلى عارض، و إذا ما خطر في ذهن أحد أن يأخذني إلى " أوتيل ديو " فإنني سوف أنتهي هناك لا محالة.
الفندق هذا مريح كثير الزبائن .
في الأسفل، من الصعب أن يقف المرء ليتأمل واجهة كاتدرائية باريس دون أن يتعرض خطر الدهس بعربة من العربات الكثيرة هذه التي تريد أن تقطع الميدان الفسيح بأقصى قدرٍ من السرعة.
هناك مركبات نقل صغيرة تقرع أجراسها على الدوام. حتى أن دوق ساجان نفسه يضطر أحياناً إلى جذب لجام جواده حينما يبصر طفلاً صغيراً يحتضر و يُصر على الذهاب إلى فندق الله، فالمحتضرون هم عادةً حمقى عنيدون. و تتوقف باريس كلها إذا ما قدمت السيدة العظيمة بعربتها إلى موضع ما في المدينة. ما يمكن ملاحظته هنا هو أن لهذه العربات الشيطانية الصغيرة نوافذ صنعت من زجاجٍ غائمٍ حليبي البياض على نحو مثير يتيح رؤية سكرات الموت الأخاذة، و تكفي مخيلة امرأةٍ بوابة لتصور ذلك. و إذا كانت للمرء قدرةٌ أكبر على التخيل يستطيع وضعها في اتجاهات مختلفة فتصبح الاحتمالات حينئذٍ بلا حدود. لكنني رأيت أيضاً عرباتٍ مكشوفة، عربات مؤجرة مؤقتاً يكون غطاؤها عادةً مزاحاً إلى الوراء، تتقاضى الأجرة ذاتها : أي فرانكين أثنين في ساعة الموت الواحدة.
هذا الفندق الرائع قديمٌ جداً ، كان الناس يفارقون الحياة فيه و هم على بضعةِ أسرةٍ في عهدِ الملك كلودفيغ، أما اليوم فإن عملية الموت تنجز بخمسمائة و تسعةٍ و تسعين سريراً، حسب نظام القطعةِ بالطبع. في ظل إنتاجية عالية كهذه، فإن الموت الفردي لا يتحقق على نحوٍ جيد، لكن الأمر لا يتوقف كثيراً على هذه المسألة، بل يتوقف على الكمية وحدها، فمن ذا الذي يقدم اليوم على دفع ثمنٍ مناسبٍ بغية الحصول على موتٍ مصنوعٍ صناعةً جيدة؟
لا أحد، لا أحد. حتى الأغنياء الذين في وسعهم أن يموتوا موتاً تفصيلياً أصبحوا الآن مهملين غير مبالين، و باتت رغبةُ الحصولِ على موتٍ فردي خاص نادرة يوماً بعد يوم، و ستصبح بعد زمنٍ قصير أشد ندرةً من الحياةِ الفردية نفسها .
يا إلهي! إن الأشياء كلها متوفرةٌ هنا. يأتي المرء و يجدُ حياةً جاهزة، و ما عليه إلا أن يرتديها. إذا أراد المرء الرحيل أو البقاء مجبراً فإن ذلك ليس مهماً، وليس هنالك أدنى مبرر للإسراف في الاجتهاد :
-          تفضل هذا هو موتك أيها السيد !
إن المرء يموت حسبما يقتضي الأمر و ينال الموت المرتبط بالمرض ذاته الذي أُصيب به ( منذ أن عرف الإنسان طبيعة الأمراض كلها بات واضحاً أن النهايات المهلكة مرتبطة، على الرغم من اختلافاتها، بالمرض وحده و ليس بالإنسان و يمكن القول إن المريض لا علاقة له بالموت).
أمّا في المستشفيات و المصحات حيث يتوفى المرء عن طيب خاطر و اعتراف بجميل الأطباء و الممرضات، فإنه يتوفى بأحد أنواع الموت الموظف في المستشفى أو المصحة،  و تلك قضيةٌ ينظر إليها عادةً بعين الرضا.
و إذا ما توفي في داره، فيبدو من الطبيعي أنه قد اختار الموت اللطيف الملائم لطبيعته المحترمة، هذا الموت الذي يبدأ بمراسيم التشييع الفخمة مع كل ما يترتب عليها من طقوس جميلة رائعة، فيقف الفقراء أمام دارٍ كهذه يمتعون أبصارهم بهذا المشهد، إذ أن موتهم بطبيعةِ الحال ليس ذا شأن، إنه موتٌ خالٍ من أي مبالغةٍ أو تعقيد، فهم يكونون سعداء إذا ما عثروا على موت واحد مناسب إلى حدٍ ما يكون على الأقل واسعاً، لأن المرء سوف ينمو باستمرار داخل موته ، لكن إذا كان الموت مفصلاً على نحوٍ قصير, فستكون تلك حالة العوز و الاضطرار بعينها .
و بما أنني أفكر الآن في أهلي الذين لم يبق منهم أحدٌ في هذه الدنيا، هناك شعورا ينتابني هو أن الموت في السابق كان مختلفاً تماماً .
كان المرء يعلم زماناً أنه يحمل الموت في داخله كما تحمل الثمرة النواة، فالموت الصغير للأطفال، و الموت الكبير للبالغين. النساء يحملنه في أحضانهن و الرجال في صدورهم. المرء كان يحمل الموت في داخله أبداً مما يمنحه قدراً من الرفعةِ و إحساساً فريداً بالفخر و الكبرياء .
زماناً كنا نرى جدنا العجوز بريغه ، رئيس تشريفات الديوان الأميري و هو يحمل موته في داخله، و أي موت هذا الذي كان يحمله! كنا نسمع صوته في فناء المقاطعة طوال شهرين كاملين. كان المنزل الكبير صغيراً جداً لموتٍ كهذا. كما بدا لو أن علينا أن نشيد له أجنحةً إضافية، إذ كان يتسعُ و يمتدُ. كان يطلب منا أن ننقلهُ إلى أماكن أخرى، و ينتابه غضبٌ رهيب إذا رأى النهار لم ينته بعد و لم تعد هناك غرفة واحدةٌ إلا وكان قد رقد فيها. ثم يأتي بعد ذلك موكب الخدم و الشغالات و الكلاب التي كانت تحيط به دوماً ، يصعدون السلم، يتقدمهم رئيس الخدم، ليضعوا الجد في الغرفة التي توفيت فيها أمه العزيزة الجلية الشأن، الغرفةُ بقيت على حالتها تماماً مثلما غادرتها الأم قبل ثلاث و عشرين عاماً، لم يجرؤ أحدٌ على الدخول إليها.
اجتمع الآن الموكب كله هناك و أزيحت الستائرُ عن النوافذ فدخل ضوءٌ ساطعٌ عنيف نهار الصيف البالغ القسوة و تفحص الموجودات المروعة ثم التفت على نحوٍ غير ماهرٍ إلى المرايا المفتوحة. كان الناس أنفسهم يفعلون ذلك. 


يتبع ..